هل يتجه القرن الإفريقي نحو «حرب عالمية إفريقية ثانية»؟

25 يوليو 2026 | أمن دولي, تحليلات

المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS

تحليل – يقف القرن الإفريقي عند مفترق طرق بالغ الخطورة، في ظل تحولات متسارعة تتداخل فيها النزاعات الداخلية مع التنافس الإقليمي والمصالح الدولية، لتشكل واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية هشاشة في القارة الإفريقية. ولم تعد الأزمات في إثيوبيا وإريتريا والسودان والصومال نزاعات منفصلة يمكن احتواء كل منها على حدة، بل أصبحت حلقات مترابطة في منظومة صراع إقليمي تتشابك فيها الاعتبارات الأمنية مع الطموحات السياسية والاقتصادية. وفي ظل احتدام المنافسة على البحر الأحمر والموانئ والممرات البحرية، واتساع نشاط الجماعات المسلحة، وتبدل التحالفات الإقليمية، يزداد خطر تحول أي مواجهة محدودة إلى حرب أوسع يصعب احتواؤها.

ويحذر عدد من الباحثين من أن هذا المسار يعيد إلى الأذهان الظروف التي سبقت اندلاع ما عُرف بـ«الحرب العالمية الإفريقية الأولى» في جمهورية الكونغو الديمقراطية أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين تحولت نزاعات محلية متفرقة إلى صراع إقليمي واسع شاركت فيه عدة دول إفريقية وعشرات الجماعات المسلحة. ولم يكن ذلك نتيجة خطة موحدة أو قرار واحد، بل جاء بفعل تراكم التدخلات العسكرية، وتبدل التحالفات، وردود الفعل المتبادلة، حتى أصبحت كل خطوة تتخذها دولة ما تُفسَّر بوصفها تهديدًا من قبل جيرانها. واليوم، تبدو مؤشرات مشابهة آخذة في التشكل داخل القرن الإفريقي، حيث تدفع الحسابات الأمنية المتعارضة دول المنطقة إلى دوامة من التصعيد المتبادل، رغم أن أياً منها لا يسعى، نظريًا، إلى اندلاع حرب إقليمية شاملة.

وتقف إثيوبيا في قلب هذه المعادلة بحكم ثقلها السكاني والعسكري والسياسي، وما تواجهه من تحديات داخلية وخارجية تجعل استقرارها عاملًا حاسمًا في مستقبل الإقليم بأسره. غير أن الأزمة لم تعد مرتبطة بدولة واحدة، بل باتت تعكس تفاعلًا مستمرًا بين القوى الإقليمية والدولية، التي تنظر إلى القرن الإفريقي بوصفه منطقة ذات أهمية استراتيجية لأمن البحر الأحمر وحركة التجارة العالمية. وفي ظل هذا التشابك، فإن احتواء مخاطر الانزلاق نحو مواجهة إقليمية لن يتحقق عبر إدارة الأزمات الآنية وحدها، بل يتطلب مقاربة سياسية طويلة الأمد تعالج جذور الصراعات، وتحد من التدخلات الخارجية، وتعزز فرص التسوية والاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

إثيوبيا… مركز الأزمة ومحور التوازنات الإقليمية

 تمثل إثيوبيا اليوم الحلقة الأكثر حساسية في معادلة الأمن والاستقرار في القرن الإفريقي. فهي ليست فقط ثاني أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان، بل تعد أيضًا القوة السياسية والعسكرية الأكثر تأثيرًا في المنطقة. ولذلك فإن مستقبلها لن يحدد مصيرها الداخلي فحسب، بل سيحدد إلى حد كبير ما إذا كان القرن الإفريقي سيتجه نحو احتواء أزماته أم نحو مواجهة إقليمية واسعة. غير أن الحكومة بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد تواجه في الوقت الراهن ضغوطًا متزايدة على أكثر من جبهة، في وقت تبدو فيه مؤسسات الدولة أمام اختبار غير مسبوق.

وتعود جذور الأزمة الحالية إلى الانهيار التدريجي لاتفاق بريتوريا لعام 2022، الذي أنهى الحرب الدامية في إقليم تيغراي دون أن يعالج أسبابها السياسية والعسكرية بشكل كامل. ومع تجدد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي، عاد شبح المواجهة العسكرية ليخيم على البلاد، في وقت تشهد فيه أقاليم أخرى، مثل أوروميا وأمهرة، تمردات مسلحة تتحدى سلطة الحكومة المركزية. ويعكس هذا المشهد هشاشة الاستقرار الذي تحقق بعد الحرب، ويؤكد أن الصراع لم ينتهِ، بل دخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا.

ولا تكمن خطورة هذه التطورات في بعدها الداخلي فقط، بل في انعكاساتها الإقليمية. فاستمرار القتال داخل إثيوبيا قد يفتح الباب أمام تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قوى إقليمية لديها مصالح أمنية واستراتيجية متشابكة مع الصراع الإثيوبي. كما أن أي حملة عسكرية واسعة قد تدفع ملايين المدنيين إلى النزوح، وتؤدي إلى إعادة رسم التحالفات في المنطقة، لتتحول الأزمة الإثيوبية من نزاع داخلي إلى نقطة انطلاق لسلسلة من الصراعات المتداخلة التي قد تشمل القرن الإفريقي بأكمله.

إريتريا في قلب الأزمة

شهدت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا تحولًا جذريًا خلال السنوات الأخيرة. فالاتفاق الذي وُقّع عام 2018 بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والذي اعتُبر آنذاك بداية لمرحلة جديدة من السلام في القرن الإفريقي، لم ينجح في بناء شراكة استراتيجية مستقرة. ومع تعقد المشهد الأمني في إثيوبيا، تراجعت الثقة بين البلدين، لتحل محلها حسابات أمنية وعسكرية تعيد شبح المواجهة إلى الواجهة.

وترتبط هذه التحولات إلى حد كبير بمآلات حرب تيغراي. فإريتريا، التي شاركت قواتها في القتال إلى جانب الجيش الإثيوبي، شعرت بأنها استُبعدت من الترتيبات السياسية التي أعقبت اتفاق بريتوريا، كما رأت أن جبهة تحرير شعب تيغراي احتفظت بجزء كبير من نفوذها السياسي والعسكري. ومنذ ذلك الحين، تشير تقديرات عدد من الباحثين إلى أن أسمرة، عاصمة إريتريا، اتجهت إلى بناء شبكة من التحالفات والاتصالات مع أطراف مختلفة داخل إثيوبيا، في محاولة للحفاظ على نفوذها ومنع ظهور تهديدات جديدة على حدودها.

ويزيد من تعقيد المشهد الخلاف التاريخي حول منفذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر، وهو ملف يتجاوز الاعتبارات الاقتصادية ليصل إلى صميم الأمن القومي للبلدين. فإثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام 1993، تعتبر الوصول إلى البحر قضية استراتيجية، بينما ترى أسمرة أن أي مطالب إثيوبية تتعلق بميناء عصب أو غيره تمس سيادتها الوطنية. وفي ظل هذا التداخل بين النزاعات الداخلية والتنافس الجيوسياسي، يحذر مراقبون من أن أي مواجهة جديدة بين الطرفين قد تتحول سريعًا إلى أزمة إقليمية أوسع، تمتد آثارها إلى مجمل القرن الإفريقي.

السودان… نقطة التقاء الصراعات

لم تعد الحرب الأهلية في السودان أزمة داخلية معزولة، بل أصبحت عنصرًا رئيسيًا في معادلة الصراع المتسعة في القرن الإفريقي. فمنذ اندلاع المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في عام 2023، تحولت البلاد إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي، بينما تفاقمت الكارثة الإنسانية لتصبح من أكبر الأزمات في العالم. ومع مرور الوقت، باتت الحرب السودانية تتداخل بصورة متزايدة مع الملفات الأمنية في إثيوبيا وإريتريا، ما يزيد من هشاشة المنطقة بأكملها.

وتشير العديد من التقارير إلى أن الاصطفافات الإقليمية في السودان تكاد تعكس خريطة التحالفات القائمة في النزاع الإثيوبي. فالدول التي تدعم أطرافًا مختلفة في السودان هي نفسها المنخرطة في التنافس على النفوذ في القرن الإفريقي، الأمر الذي أدى إلى تشابك غير مسبوق بين النزاعين. ونتيجة لذلك، لم يعد من الممكن فصل مستقبل السودان عن التطورات الأمنية في إثيوبيا وإريتريا، إذ بات كل صراع يؤثر بشكل مباشر في مسار الآخر.

ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار هذا التشابك إلى اندماج الأزمتين في صراع إقليمي واحد، خاصة مع تصاعد التوتر بين القاهرة وأديس أبابا، واستمرار التدخلات الخارجية وتضارب المصالح الاستراتيجية. وفي حال غابت المبادرات الدبلوماسية القادرة على احتواء هذه التوترات، فإن القرن الإفريقي قد يجد نفسه أمام مواجهة واسعة تتجاوز حدود النزاعات المحلية، لتشمل عددًا متزايدًا من الدول الفاعلة في الإقليم.

مصر… في معادلة الصراع 

تعد مصر أحد أبرز الفاعلين في معادلة الأمن في القرن الإفريقي، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل لأن أمنها القومي يرتبط مباشرة بمياه نهر النيل، الذي يمثل المصدر الرئيسي للمياه العذبة في البلاد. ومن هذا المنطلق، تنظر القاهرة إلى التطورات في إثيوبيا والقرن الإفريقي باعتبارها قضايا تمس مصالحها الاستراتيجية، لا مجرد أزمات تقع خارج حدودها. ولهذا السبب، تتابع القيادة المصرية التحولات الإقليمية بحذر، وتسعى إلى منع أي تغييرات قد تؤثر في ميزان القوى القائم.

ويظل الخلاف بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة الإثيوبي الكبير أحد أهم أسباب التوتر بين البلدين منذ أكثر من عقد. فبينما ترى أديس أبابا أن المشروع يمثل ركيزة للتنمية الاقتصادية وتوليد الطاقة، تعتبره القاهرة تهديدًا محتملًا لحصتها التاريخية من مياه النيل. وقد دفع هذا الخلاف الطرفين إلى تبني سياسات أكثر حذرًا، رافقتها تحركات دبلوماسية وعسكرية هدفت إلى تعزيز أوراق الضغط، في ظل استمرار تعثر المفاوضات وعدم التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن إدارة وتشغيل السد.

وفي هذا السياق، عززت مصر تعاونها الأمني مع عدد من دول المنطقة، من بينها إريتريا والصومال، كما حافظت على حضورها السياسي في الملف السوداني، انطلاقًا من قناعة بأن أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمنها القومي. وفي المقابل، تجد إثيوبيا نفسها أمام شبكة متزايدة من الضغوط الإقليمية، في وقت تواجه فيه تحديات داخلية متفاقمة. ويحذر العديد من المحللين من أن استمرار هذا الاستقطاب قد يدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع، خاصة إذا تداخلت النزاعات الداخلية مع حسابات القوى الإقليمية والدولية.

الصومال… ساحة التنافس الإقليمي

تمثل الصومال اليوم أحد أهم عناصر الضغوط الإقليمية التي تواجهها إثيوبيا. فمنذ توقيع أديس أبابا مذكرة التفاهم مع إقليم أرض الصومال (صوماليلاند)، التي منحت إثيوبيا منفذًا محتملاً على البحر مقابل خطوات نحو الاعتراف بالإقليم، دخلت العلاقات بين الحكومتين الإثيوبية والصومالية مرحلة من التوتر غير المسبوق. وترى مقديشو أن الاتفاق يشكل انتهاكًا لسيادة الدولة ووحدة أراضيها، وهو ما دفعها إلى البحث عن شركاء إقليميين قادرين على موازنة النفوذ الإثيوبي.

وفي هذا الإطار، عززت الصومال تعاونها الأمني مع كل من مصر وتركيا وإريتريا، في خطوة تعكس تشكل محور إقليمي جديد في مواجهة أديس أبابا. كما أثار نشر قوات ومعدات عسكرية مصرية في مقديشو قلق القيادة الإثيوبية، التي تنظر إلى هذه التحركات باعتبارها جزءًا من سياسة تهدف إلى تطويقها استراتيجيًا. وفي الوقت نفسه، ساهمت التحولات المرتبطة بأرض الصومال في تعميق الاستقطاب الإقليمي، مع تزايد الحديث عن تشكل تكتلات متنافسة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية.

ولا تقتصر التحديات التي تواجهها إثيوبيا على التنافس بين الدول، بل تمتد أيضًا إلى تهديدات الجماعات المسلحة، وفي مقدمتها حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، التي لا تزال تملك القدرة على زعزعة الاستقرار في الصومال ومحيطه. ويرى عدد من المحللين أن أي مواجهة إقليمية واسعة قد توفر لهذه الجماعة بيئة مناسبة لتوسيع نشاطها واستغلال انشغال الحكومات بالصراع بين الدول، بما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في القرن الإفريقي.

ديناميكيات التصعيد الإقليمي

تكمن خطورة المشهد في القرن الإفريقي في أن الأطراف المتنافسة لا تتحرك بدافع المغامرة أو الحسابات غير العقلانية، بل انطلاقًا من تصورات تعتبرها ضرورية لحماية أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. غير أن اجتماع هذه الحسابات المتعارضة في مساحة جغرافية واحدة يخلق ديناميكية تصعيدية قد تدفع المنطقة بأكملها نحو مواجهة واسعة، رغم أن أياً من هذه الدول لا يسعى، نظريًا، إلى اندلاع حرب إقليمية شاملة.

ففي إثيوبيا، لا يستطيع رئيس الوزراء آبي أحمد الظهور بمظهر المتهاون مع أي محاولة قد تعيد جبهة تحرير تيغراي إلى واجهة المشهد العسكري أو السياسي. وفي المقابل، ترى إريتريا أن أي وصول إثيوبي إلى البحر الأحمر يمثل تهديدًا مباشرًا لتوازنات القوة التي قامت عليها الدولة الإريترية منذ استقلالها. أما مصر، فتنظر إلى تنامي النفوذ الإثيوبي في حوض النيل والبحر الأحمر باعتباره تحديًا لمصالحها الاستراتيجية، بينما تعتبر الحكومة الفيدرالية الصومالية أن أي تقارب إثيوبي مع إقليم أرض الصومال يمس سيادة الدولة ووحدتها الوطنية. وفي السودان، تزداد المخاوف من امتداد الصراع عبر الحدود، في ظل اتهامات متبادلة بشأن الدعم العسكري وتداخل المصالح بين أطراف النزاع.

وفي ظل هذه البيئة المعقدة، أصبحت التحالفات في القرن الإفريقي تقوم على قاعدة براغماتية مفادها أن «عدو عدوي هو حليفي»، أكثر من قيامها على تقارب سياسي أو أيديولوجي. ولذلك نشأت شراكات تبدو متناقضة للوهلة الأولى، لكنها تخدم أهدافًا تكتيكية مؤقتة. ويظهر ذلك في تقاطع المصالح بين إريتريا وبعض القوى المناهضة لأديس أبابا، وفي تشابك العلاقات بين أطراف إقليمية تسعى إلى إعادة رسم موازين القوى، حتى وإن كانت قد خاضت فيما بينها صراعات دامية في الماضي القريب.

ويحذر عدد من الباحثين من أن هذا النمط من التفاعلات يعيد إلى الأذهان المقدمات التي سبقت اندلاع الحرب الكبرى في جمهورية الكونغو الديمقراطية أواخر تسعينيات القرن الماضي، والتي عُرفت لاحقًا بـ«الحرب العالمية الإفريقية الأولى». ففي تلك التجربة، لم يكن أي طرف يخطط لحرب إقليمية شاملة، لكن سلسلة من التحالفات المتشابكة وردود الفعل المتبادلة حولت نزاعات محلية إلى صراع واسع شاركت فيه عدة دول. واليوم، يخشى مراقبون أن يعيد القرن الإفريقي إنتاج السيناريو نفسه، إذا استمرت الحسابات الأمنية لكل دولة في دفعها نحو مزيد من التصعيد، من دون وجود آلية إقليمية قادرة على احتواء الأزمة قبل خروجها عن السيطرة.

الولايات المتحدة… بين المصالح والأخطاء الاستراتيجية

 في خضم هذا المشهد المتشابك، تبدو السياسة الأمريكية تجاه القرن الإفريقي محط تساؤلات متزايدة لدى عدد من الباحثين والمراقبين. فبينما تؤكد واشنطن أن هدفها يتمثل في حماية الاستقرار الإقليمي وضمان أمن الملاحة الدولية، يرى منتقدون أن بعض خطواتها الأخيرة قد تؤدي عمليًا إلى نتائج معاكسة، وتزيد من تعقيد التوازنات الهشة التي تشهدها المنطقة.

ويستند التوجه الأمريكي إلى اعتبارات استراتيجية مفهومة، إذ يمثل البحر الأحمر أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية وللمصالح الأمريكية، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر والخليج العربي. ومن هذا المنطلق، تنظر واشنطن إلى إريتريا باعتبارها دولة تطل على موقع جغرافي بالغ الأهمية قد يمنحها هامشًا أوسع للتحرك في حماية خطوط الملاحة. غير أن التركيز على هذه الاعتبارات الجيوسياسية، وفقًا لعدد من المحللين، قد يأتي على حساب معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار في القرن الإفريقي. ويرى هؤلاء أن أي تخفيف للعقوبات المفروضة على إريتريا، من دون ربطه بتغييرات ملموسة في سلوكها الإقليمي، قد يفسر في أسمرة باعتباره تراجعًا في الضغوط الدولية. كما أن هذه الخطوة قد تقلص إحدى أهم أدوات التأثير التي تمتلكها واشنطن على الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، في وقت تتهم فيه حكومته بالانخراط في ملفات إقليمية معقدة، وبإقامة علاقات وثيقة مع روسيا والصين وإيران، فضلًا عن اتهامات بدعم أطراف مسلحة في دول الجوار.

وتزداد هذه المخاوف بالنظر إلى طبيعة النظام السياسي في إريتريا، الذي يرتبط بصورة كبيرة بشخص الرئيس أسياس أفورقي، الذي يحكم البلاد منذ استقلالها عام 1993، من دون وجود ترتيبات واضحة لانتقال السلطة. وخلال العقود الماضية، اتسمت السياسة الخارجية الإريترية بتبدل التحالفات بصورة متكررة تبعًا للظروف الإقليمية، وهو ما يدفع كثيرًا من الخبراء إلى التشكيك في إمكانية بناء شراكة استراتيجية مستقرة مع أسمرة على المدى الطويل. ومن هذا المنطلق، يرى هؤلاء أن أي سياسة أمريكية تسعى إلى تحقيق الاستقرار في القرن الإفريقي ينبغي أن تقوم على معالجة جذور الأزمات الإقليمية، لا الاكتفاء بإدارة تداعياتها أو الاكتفاء باعتبارات أمن الملاحة وحدها.

قراءة مستقبلية… إلى أين يتجه القرن الإفريقي؟

رغم أن اندلاع حرب إقليمية شاملة في القرن الإفريقي ليس أمرًا حتميًا، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن المنطقة تسير في اتجاه بالغ الخطورة. فشبكة التحالفات المتشابكة، وتداخل النزاعات الداخلية مع المنافسة الإقليمية والدولية، وغياب الثقة بين العواصم المعنية، كلها عوامل تجعل أي حادث حدودي أو مواجهة محدودة قابلة للتحول إلى أزمة أوسع يصعب احتواؤها. وفي ظل هذا الواقع، لم تعد الصراعات المحلية منفصلة عن بعضها، بل أصبحت حلقات في أزمة إقليمية واحدة تتغذى كل جبهة فيها على الأخرى.

ويحذر باحثون من أن استمرار هذا المسار قد يعيد إنتاج السيناريو الذي سبق اندلاع ما عُرف بـ«الحرب العالمية الإفريقية الأولى» في جمهورية الكونغو الديمقراطية أواخر تسعينيات القرن الماضي، والتي خلّفت واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية دموية في تاريخ القارة. واليوم، يرى مراقبون أن القرن الإفريقي يشهد ملامح مشابهة، حيث تتداخل النزاعات الداخلية مع التنافس على الموانئ والممرات البحرية، والخلافات حول الموارد المائية، وصراع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية. وفي ظل هذه التفاعلات المتشابكة، قد يتحول أي تصعيد محدود إلى مواجهة أوسع، بما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل احتواء الأزمة أكثر صعوبة.

وفي حال انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة، فلن تقتصر التداعيات على دول القرن الإفريقي وحدها. فالبحر الأحمر يمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وأي اضطراب طويل الأمد فيه سيؤثر في حركة الملاحة وسلاسل الإمداد الدولية. كما أن اتساع رقعة الحرب قد يؤدي إلى موجات نزوح ولجوء غير مسبوقة، ويهيئ بيئة خصبة لعودة التنظيمات المتطرفة، فضلًا عن احتمال انخراط قوى إقليمية ودولية بصورة مباشرة لحماية مصالحها الاستراتيجية، وهو ما قد يحول النزاع من أزمة إقليمية إلى صراع ذي أبعاد دولية.

ويبقى السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت المنطقة تواجه أزمة، بل ما إذا كانت لا تزال تملك الوقت الكافي لتجنب الأسوأ. فكلما تأخر احتواء التوترات، واتسعت دائرة التحالفات المتنافسة، وتراجعت فرص الحلول السياسية، ازدادت احتمالات أن يشهد القرن الإفريقي حربًا ستكون الأكبر في تاريخه الحديث. وعندها، لن يكون الثمن مقتصرًا على شعوب المنطقة، بل سيمتد أثره إلى الأمن الإقليمي والدولي، ليصبح القرن الإفريقي إحدى أخطر بؤر الصراع في العالم خلال السنوات المقبلة.