المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS
يشهد النظام الدولي للحدّ من الأسلحة النووية لحظة مفصلية مع اقتراب انتهاء آخر اتفاق يقيّد أخطر الترسانات النووية في العالم. فمع غياب هذا الإطار التنظيمي، تتزايد المخاوف من سباق تسلّح جديد، وتراجع الشفافية بين القوى الكبرى، واحتمال انخراط دول أخرى في هذا المجال. ورغم ذلك، لا تزال هناك عوامل قد تحدّ من هذا التصعيد، من بينها التكاليف الباهظة والتقاليد الدولية الراسخة التي تحظر استخدام هذه الأسلحة منذ عقود.
ينتهي الاتفاق الذي ينظّم أخطر الأسلحة النووية لدى الولايات المتحدة وروسيا، ما يفتح المجال أمام زيادة هذه الترسانات ووضع المزيد منها في حالة جاهزية للإطلاق. وعلى المدى الأبعد، قد يشجّع هذا الفراغ بعض الدول على السعي لامتلاك أسلحة نووية، حتى في خرقٍ للقانون الدولي. ومع ذلك، قد تحدّ من هذا التوجّه عوامل واقعية، أبرزها التكاليف الباهظة المرتبطة بتطوير هذه الأسلحة، إضافة إلى استمرار التحفّظ الدولي على استخدامها منذ أربعينيات القرن الماضي.
وفي هذا السياق، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قائلاً: “إذا انتهى، فسينتهي”، في إشارة إلى اقتراب انتهاء معاهدة نيو ستارت في 5 فبراير 2026. ومع غياب هذا الاتفاق، يقترب العالم لأول مرة منذ عام 1972 من وضعٍ بلا قيود على عدد الرؤوس النووية أو وسائل إيصالها، كما تتوقف آليات الشفافية والتفتيش المتبادل، ما يزيد من الغموض وعدم اليقين في النظام الدولي.
الصين ومعادلة الردع النووي
في ظلّ التحوّلات المتسارعة في النظام الدولي، يبرز تساؤل أساسي حول عجز الولايات المتحدة وروسيا عن التوصّل إلى اتفاق جديد للحدّ من الأسلحة النووية، رغم ما أبدته إدارة دونالد ترامب من مرونة نسبية تجاه موسكو. غير أن هذا التعثّر لا يمكن فهمه دون النظر إلى العامل الأكثر تأثيرًا، وهو صعود الصين كقوة نووية كبرى.
تعمل بكين على توسيع ترسانتها النووية ضمن استراتيجية تهدف إلى تحقيق تكافؤ مع الولايات المتحدة وروسيا، في إطار سعيها لترسيخ مكانتها كقوة عظمى. ويضع هذا التوجّه واشنطن أمام تحدّي مواجهة قوتين نوويتين في آنٍ واحد، ما يعزّز احتمالات سباق التسلّح. ورغم دعوات الولايات المتحدة لإشراك الصين في مفاوضات جديدة، ترفض بكين ذلك، مفضّلة الحفاظ على هامشها الاستراتيجي.
في المقابل، تصرّ روسيا على إشراك كلٍّ من بريطانيا وفرنسا في أي مفاوضات مستقبلية، رغم محدودية ترسانتيهما مقارنة بالقوى الكبرى. ويعكس هذا التباين غياب الثقة بين الأطراف وتضارب المصالح، ما يعقّد فرص التوصّل إلى اتفاق جديد، ويترك مستقبل الاستقرار النووي العالمي مفتوحًا على مزيد من الغموض.
سباق التسلّح النووي وتكلفته الباهظة
رغم صعوبة التنبؤ الدقيق بمسار التطورات، يبرز خطر حقيقي باندلاع سباق تسلّح نووي جديد، قد يضع حدًا للاتجاه الذي ساد خلال العقود الماضية نحو تقليص هذه الترسانات. ومع ذلك، فإن تطوير الأسلحة النووية وإنتاجها، بما يشمله ذلك من رؤوس نووية ووسائل إيصال متطورة، يظل عملية شديدة الكلفة والتعقيد، وهو ما قد يؤخّر حدوث زيادات كبيرة على المدى القريب.
لكن في حال استمرار غياب اتفاقيات للحدّ من التسلّح، يُرجّح أن تظهر زيادات أوسع في عدد الأسلحة النووية خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة. ولا يرتبط هذا فقط بتوسّع ترسانات بعض الدول، بل أيضًا بتراجع الشفافية وانعدام آليات الرقابة، ما يدفع الدول إلى التخطيط بناءً على أسوأ السيناريوهات المحتملة لقدرات خصومه، ويعزّز بذلك ديناميكيات سباق التسلّح.
كما تبرز مخاطر جدّية على مستقبل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1968، التي تُعدّ أحد أهم أركان نظام الحدّ من التسلّح عالميًا. إذ تنظّم هذه المعاهدة وضع الدول الخمس المسموح لها قانونًا بامتلاك أسلحة نووية، مقابل التزام بقية الدول بالاكتفاء بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية. وقد شكّلت هذه القواعد أساسًا لاستقرار نسبي في هذا المجال لعقود.
غير أن الاتجاه نحو إعادة التسلّح من قبل بعض الدول النووية يهدّد بتقويض مصداقية هذا النظام، خاصة في ظل التزام تلك الدول، نظريًا، بالعمل نحو نزع سلاح نووي شامل. وإذا استمر هذا التوجّه، فقد يؤدي ذلك إلى تآكل الثقة في النظام الدولي للحدّ من الانتشار، وفتح الباب أمام مزيد من الدول لإعادة النظر في التزاماتها.
انتشار نووي محتمل ومخاطر متزايدة
قد يدفع غياب القيود الدولية إلى تغيير حسابات بعض الدول التي امتنعت سابقًا عن السعي لامتلاك أسلحة نووية، إذ قد ترى أن الظروف الجديدة تبرّر إعادة النظر في مواقفها. وفي هذه الحالة، قد لا يقتصر الأمر على الدول القليلة الموجودة حاليًا خارج معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بل قد يتّسع العدد بشكل ملحوظ، ما يزيد من مخاطر الانتشار النووي واحتمالات الاستخدام غير المقصود أو غير المسؤول. وتبرز مناطق مثل شمال شرق آسيا والشرق الأوسط، وربما أوروبا، كمرشّحة لمثل هذه التطورات.
ورغم هذه السيناريوهات المقلقة، لا يزال ما يُعرف بـ”المحرّم النووي” قائمًا منذ عام 1945، وهو الإدراك العالمي بأن استخدام هذه الأسلحة ستكون له عواقب كارثية لا يمكن تحمّلها. وقد ساهم هذا الوعي في ردع استخدامها طوال عقود، حتى في أشدّ فترات التوتر الدولي، ما يجعله عنصرًا مهمًا في الحفاظ على قدر من الاستقرار الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية إعادة إحياء الجهود الدولية للحدّ من الأسلحة النووية وتعزيز آليات ضبطها، باعتبار ذلك مصلحة مشتركة لجميع الدول. كما أن استمرار بعض الترتيبات العملية يعكس إدراك القوى النووية لحجم المخاطر، مثل الاتفاق المبرم عام 1988 بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (ثم روسيا لاحقًا) بشأن الإخطار المسبق بتجارب الصواريخ العابرة للقارات، والذي لا يزال يُحترم حتى من قبل دول مثل الصين رغم عدم توقيعها عليه.
ويشير ذلك إلى أن القوى الكبرى، رغم تنافسها، لا تزال تدرك خطورة الانزلاق نحو استخدام فعلي للأسلحة النووية، وتفضّل إبقاءها ضمن إطار الردع والضغط السياسي، بدلًا من تحمّل العواقب الكارثية التي قد تترتب على استخدامها.
مستقبل النظام النووي العالمي
في المدى القريب، من غير المرجّح أن يشهد العالم زيادات سريعة وكبيرة في الترسانات النووية، نظرًا للتكاليف الباهظة والتعقيدات التقنية المرتبطة بتطوير هذه الأسلحة. ومع ذلك، فإن غياب القيود القانونية وآليات الرقابة قد يدفع الدول تدريجيًا إلى إعادة تقييم استراتيجياتها العسكرية، بما يعزّز مناخ الشك وانعدام الثقة بين القوى الكبرى.
أما على المدى المتوسط، فقد يتجه النظام الدولي نحو مرحلة أكثر تنافسًا وخطورة، مع احتمال توسّع سباق التسلّح وازدياد عدد الدول الساعية إلى امتلاك قدرات نووية. ويزداد هذا الاحتمال في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وتعثر الجهود الدولية الرامية إلى إحياء اتفاقيات الحدّ من التسلّح، ما يفاقم من حالة عدم الاستقرار.
ورغم هذه التحديات، لا يزال هناك هامش للتحرّك الدولي، سواء عبر استئناف المفاوضات أو تعزيز المبادرات الهادفة إلى الحدّ من المخاطر النووية. وسيعتمد مستقبل الاستقرار العالمي إلى حدّ كبير على قدرة القوى الكبرى على تجنّب التصعيد، والحفاظ على الحدّ الأدنى من التعاون في هذا المجال الحيوي، بما يمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.
