من الصراع إلى التعاون: آفاق السلام في جنوب القوقاز

15 سبتمبر 2025 | أمن قومي, أمن دولي, تحليلات

المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS

تحليل- اجتمع رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان ورئيس أذربيجان إلهام علييف في البيت الأبيض بواشنطن في 8 أغسطس 2025، ووقّعوا، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اتفاقية سلام تاريخية تهدف إلى إنهاء عقود من الصراع بين البلدين. يمثل هذا اللقاء خطوة مهمة نحو تحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة، مع إعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية وتأثير واضح على دور روسيا في جنوب القوقاز. الاتفاقية تفتح الطريق أمام التعاون الاقتصادي، تطوير مشاريع النقل الإقليمي، وتعزيز العلاقات بين أرمينيا وأذربيجان من جهة، والغرب من جهة أخرى.

علق الرئيس دونالد ترامب بعد الاجتماع قائلاً: «لقد قاتلوا لمدة 35 عامًا، والآن أصبحوا أصدقاء وسيستمرون في الصداقة لفترة طويلة». وفي وقت لاحق من اليوم، أعلن كل من باشينيان وأليف عن نيتهما ترشيح ترامب معًا لجائزة نوبل للسلام، اعترافًا رمزيًا بدوره في الوساطة. على الرغم من الاجتماع في واشنطن، إلا أن هذا ليس اللقاء الأول بين الزعيمين. جذور الصراع بين أرمينيا وأذربيجان تعود إلى انهيار الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات، عندما اندلعت الحرب الأولى على منطقة ناغورنو-كاراباخ، وهي منطقة كانت تقطنها الأرمن تاريخيًا لكنها أصبحت بعد ترسيم الحدود السوفيتية جزءًا من أذربيجان. وقد حاولت أطراف خارجية، لا سيما روسيا، كثيرًا لعب دور الوسيط، لكنها غالبًا كانت تسعى للحفاظ على نفوذها في المنطقة. أدى الاجتماع في واشنطن إلى خطوات سياسية ملموسة نحو السلام المستدام ووصفها القادة الثلاثة بأنها ذات أهمية تاريخية. ومع ذلك، لا تزال هناك الكثير من القضايا غير المحلولة، وتشير التطورات إلى تغير في ميزان القوى في جنوب القوقاز. وتوضح النتائج أن عملية السلام تخلق فائزين وخاسرين على الصعيد الإقليمي، مع تداعيات تمتد إلى ما وراء الدول المعنية مباشرة.

السلام والتطبيع: رابحون، لكن إلى أي حد؟

أظهر الاجتماع الأخير تقدمًا ملموسًا في مسار السلام وعملية التطبيع بين أرمينيا وأذربيجان، حيث تم الاتفاق على إعلان مشترك يتضمن التزامات ملزمة بمواصلة الحوار، ما يرفع من صعوبة اندلاع نزاع جديد. كما تم الإعلان رسميًا عن اتفاقية السلام التي كانت قد أُعدّت مسبقًا والتي كانت معروفة إلى حد كبير. أحد أهم الإنجازات كان إطلاق مشروع الطريق الأمريكي-الأرميني المشترك، “مسار ترامب للسلام والازدهار الدولي” (Tripp)، الذي يهدف إلى إقامة ممر بري على طول الحدود مع إيران لربط أذربيجان بإقليمها ناحيتشيفان المعزول، مرورًا بمحافظة سيونيك الجنوبية في أرمينيا. يمثل هذا المشروع أكبر مبادرة أمريكية في المنطقة منذ عقود، ومن المتوقع أن يُحدث تغييرًا كبيرًا في موازين القوى ويقلل من نفوذ إيران وروسيا إذا تم تنفيذه.

يركز المشروع على معالجة إحدى أكثر القضايا حساسية في النزاع، وهي إعادة فتح طرق النقل الإقليمية. تطالب أذربيجان بالحصول على وصول غير محدود إلى ناحيتشيفان، بينما تؤكد أرمينيا على حقها في السيطرة على الممر داخل أراضيها. بالإشارة إلى موقف كلا البلدين، يبدو أن الإعلان المشترك قد قرب العملية خطوة نحو الحل، إلا أن الجدول الزمني وإمكانية تنفيذ المشروع لا يزالان غير واضحين، وسيكون تحقيق مشروع “Tripp” اختبارًا حاسمًا لمسار السلام. عقد الاجتماع في واشنطن لتعزيز الاتفاقيات السابقة أكثر من خلق التزامات جديدة، فالاتفاقية قصيرة وغامضة، ولا تزال هناك قضايا جوهرية بحاجة للحل، مثل حق عودة نحو 100 ألف أرمني من كاراباخ، ومصير مئات الآلاف من الأرمن والأذربيجانيين المهجرين، وحماية التراث الثقافي المتضرر خلال النزاع الطويل. كما يثير حظر القوات الأجنبية على الحدود الأرمينية-الأذربيجانية تساؤلات حول مهمة الاتحاد الأوروبي في أرمينيا،  التي تهدف إلى مراقبة الحدود، وهو ما تعارضه حكومة باكو.

أرمينيا بين مكاسب السلام وضغوط الداخل

أرمينيا قد تكسب الكثير إلى جانب السلام. فمشروع Tripp قد يفتح الطريق أمام تحسين العلاقات مع تركيا، حليفة أذربيجان، ويكسر عزلة البلاد من خلال إدماجها في طرق التجارة بين أوروبا وآسيا. كما عزز الاجتماع موقف حكومة باشينيان في تقليل الاعتماد على روسيا وتعزيز الروابط مع الغرب، وهي مكاسب داخلية مهمة قبل انتخابات 2026. لكن في الداخل، تواجه الحكومة أزمة ثقة واسعة. شعبيتها منخفضة وتتعرض لانتقادات حادة من المعارضة والمجتمع المدني بسبب الفساد وسوء الإدارة وفشل الإصلاحات. كما يثير مشروع “أرمينيا الحقيقية”، الذي يقبل بالحدود القائمة ويدعو للتقارب مع الغرب، جدلاً كبيرًا. ويُنظر إلى التنازلات لباکو – خاصة الممر عبر سيونيك على الحدود مع إيران – كتهديد للمصالح الوطنية طويلة المدى. أكبر القضايا العالقة في النزاع هي مطلب باكو بتعديل الدستور الأرميني لإزالة أي مطالب محتملة بأراضي أذربيجان. هذه العملية قد تستغرق سنوات وتتطلب استفتاءً وانتخابات، وقد تُفشل إذا لم تحظَ بدعم شعبي كافٍ، مما قد يهدد مستقبل حكم باشينيان.

أذربيجان بين المكاسب السياسية والمصالح الاستراتيجية

حقق اجتماع واشنطن عدة مكاسب لأذربيجان. فقد تأكدت التنازلات الأرمينية السابقة، كما أن فتح طرق النقل المحتملة يعزز دور أذربيجان وتركيا كمحور تجاري إقليمي. كما يمكن لتحسن العلاقات مع الولايات المتحدة أن يسهل تصدير الغاز والنفط ويزيد النفوذ الجيوسياسي تجاه الجيران، خصوصًا في ظل ضعف النمو الاقتصادي والعلاقات المتوترة مع روسيا وإيران. في الوقت نفسه، تثار تساؤلات حول رغبة باكو الحقيقية في السلام. الوضع الحالي يصب في مصلحة أذربيجان، إذ أن أرمينيا معزولة ومرهقة وتضغط عليها لتقديم تنازلات، بينما تمتلك باكو أفضلية على جميع الفاعلين الإقليميين. كما أن الحكومة الاستبدادية والفسادة لألييف تتجنب الكثير من الانتقادات الغربية طالما أن تعاون أذربيجان مطلوب لإنجازات في عملية السلام. داخليًا، يستفيد ألييف من التنافس مع أرمينيا، مما يعزز شعبيته عبر إشعال الوطنية وتحويل الانتباه عن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة. ويبقى أن نرى ما إذا كانت دول أخرى، مثل روسيا أو إيران، يمكن أن تلعب دور الخصم البديل إذا لم تعد أرمينيا تُصوَّر كعدو.

الولايات المتحدة تكسب… لكن إلى متى؟

يمكن للولايات المتحدة تعزيز نفوذها داخل المنطقة وخارجها. مثل الاتحاد الأوروبي، عمّقت واشنطن في السنوات الأخيرة علاقاتها مع أرمينيا، خاصة في المجال الدفاعي. لكن على عكس بروكسل، تمتلك الولايات المتحدة قدرة كبيرة على الضغط على باكو، التي ترى الاتحاد الأوروبي متحيزًا تجاه أرمينيا. كما جذبت الولايات المتحدة أذربيجان من خلال شراكة استراتيجية وألغت قانونًا من عام 1992 يحظر المساعدات الأمريكية المباشرة للحكومة. لعبت “عامل ترامب” دوراً محتملًا، حيث حرص كل من علييف وباشينيان على تجنب مواجهة مع واشنطن لتفادي الرسوم العالية أو تأثير الصورة الأمريكية للصراع. يبقى السؤال الأكبر: هل سيستمر التزام الولايات المتحدة على المدى الطويل، خصوصاً في ظل سياسة ترامب الخارجية غير المتوقعة؟ بدون اهتمام طويل الأمد، هناك خطر من الجمود وتصاعد التوتر مجددًا.

روسيا: تراجع النفوذ وتحديات جديدة

بالنسبة لروسيا، تمثل التطورات الأخيرة مزيدًا من ضعف نفوذها في المنطقة، وهو ثمن إضافي تدفعه نتيجة الحرب على أوكرانيا. منذ الغزو في 2022، انتقلت دور موسكو من كونها القوة الحقيقية الوحيدة في جنوب القوقاز إلى مجرد شريك تجاري عمليًا. وأن تحصل الولايات المتحدة على السيطرة المحتملة على الطريق التجاري المخطط له عبر أرمينيا – وهو الدور الذي كان مخصصًا لروسيا في اتفاق سابق – يمثل ضربة إضافية لمكانة موسكو الاستراتيجية. أحد التحديات الكبرى لروسيا هو محاولة استغلال هذا الطريق لربط طرقها التجارية شمال-جنوب إلى إيران والهند بالنقل شرق-غرب بين أوروبا وآسيا، وبالتالي التخفيف من آثار العقوبات الدولية المفروضة عليها بسبب الحرب في أوكرانيا. في ظل سعي أرمينيا لتقليل اعتمادها على روسيا، وعلاقات أذربيجان المتوترة سابقًا مع موسكو، يبدو أن اللقاء في واشنطن يعزز التعاون الجيوسياسي المتنامي بين البلدين ضد روسيا. رغبة كلاهما في تجنب إشراك موسكو والعمل مع واشنطن تعتبر مؤشرًا إيجابيًا للسلام. لطالما كانت روسيا العقبة الكبرى في المنطقة، سواء من خلال استراتيجيتها الإمبراطورية لاستخدام الصراع لأغراضها الخاصة، أو بسبب استغلال حكومتي يريفان وباكو موسكو ضد بعضهما البعض تاريخيًا. والسؤال المركزي الآن هو ما إذا كان هذا التغيير قد يتحدى القناعة السائدة في جنوب القوقاز بأن “الإمبراطورية سترد عاجلاً أم آجلاً”.

أهمية التطورات الأخيرة للاتحاد الأوروبي

بعد الخطوات السياسية المهمة في واشنطن، قد يكون كل من أرمينيا وأذربيجان قد اقتربا من تحقيق سلام حقيقي. ويتماشى هذا الإنجاز مع استراتيجية الاتحاد الأوروبي في المنطقة، التي تهدف إلى تعزيز السلام والاستقرار، وتعميق روابط البلدين مع الغرب ودمجهما أكثر مع أوروبا، وضمان طرق النقل من الشرق إلى الغرب، ومواجهة النفوذ الروسي. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من التساؤلات، مثل ما إذا كانت هناك إرادة حقيقية لدى كلا البلدين لمواصلة الطريق الصعب نحو السلام، وما إذا كان التزام الولايات المتحدة سيستمر، وكيف ستتفاعل الأطراف الأخرى. علاوة على ذلك، قد يكون الإطار الحالي للحوار البناء – الذي تهيأ بفضل الظروف السياسية الداخلية الجيدة، والانخراط الغربي، وضعف روسيا – محدودًا زمنياً.

آفاق السلام والتحديات المستقبلية

– تحمل المرحلة القادمة فرصًا وتحديات على حد سواء. فالسلام بين أرمينيا وأذربيجان يفتح آفاقًا للتعاون الاقتصادي الإقليمي، بما في ذلك تطوير مشاريع النقل والتجارة التي تربط أوروبا بآسيا، ويعزز من اندماج الدولتين مع الغرب.

– مع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو الالتزام السياسي الداخلي لكل من باشينيان وعلييف لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، خصوصًا في القضايا الحساسة مثل حقوق اللاجئين وإدارة الحدود والممرات الاستراتيجية. أي إخفاق داخلي قد يعرقل مسار السلام ويعيد التوترات إلى الواجهة.

– سيظل دور الولايات المتحدة والغرب حاسمًا في دعم استمرارية العملية السلمية، مع مراقبة تأثير روسيا وإيران في المنطقة. تحقيق الاستقرار طويل الأمد يتطلب توازناً دقيقًا بين الدعم الدولي والإرادة السياسية المحلية لضمان نجاح هذه المرحلة التاريخية.