المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS
شهدت السويد خلال العقدين الأخيرين تحولات بارزة في مجال الهجرة، انعكست بوضوح على البنية الاجتماعية والأمنية للبلاد. منذ عام 2015، ومع موجة اللاجئين القادمين من مناطق النزاع في سوريا والعراق وأفغانستان، أصبحت السويد من بين الدول الأوروبية الأكثر استقبالًا للاجئين بالنسبة لعدد السكان. إلى جانب هذه التدفقات الإنسانية، استمرت الهجرة الاقتصادية والعمالية بشكل منتظم، مما أسهم في خلق بيئة متعددة الأبعاد تجمع بين قضايا الاندماج والتنوع الثقافي من جهة، والتحديات الأمنية المرتبطة بخطر التطرف والإرهاب من جهة أخرى.
منذ 2016، اتجهت السياسات السويدية نحو تشديد شروط اللجوء وتقليص منح تصاريح الإقامة، إلى جانب تعديل قوانين لم الشمل، بهدف ضبط تدفقات المهاجرين. إلا أن هذه الإجراءات زادت من الضغوط على برامج الاندماج والخدمات العامة في بعض البلديات، مما أدى إلى ظهور ثغرات اجتماعية يمكن أن تستغلها شبكات التطرف لاستقطاب الفئات الأكثر هشاشة.
آليات التداخل بين الهجرة والتطرف
الهجرة بحد ذاتها لا تولد التطرف، لكنها يمكن أن تتفاعل مع ظروف اجتماعية واقتصادية معينة لتزيد من قابلية بعض الأفراد للاستقطاب. من بين هذه الظروف البطالة الطويلة الأمد، ضعف الفرص التعليمية، والفجوات في برامج التدريب المهني. عندما لا يجد الشباب أو الفئات المهمشة سبلًا واضحة للمشاركة في المجتمع، يمكن أن تصبح بيئة خصبة للشبكات المتطرفة لاستغلال شعورهم بالإحباط والعزلة، سواء عبر تواصل مباشر في الأحياء أو من خلال المنتديات الإلكترونية والمنصات الرقمية.
التمييز الاجتماعي والعزلة المجتمعية تساهم أيضًا في تعزيز شعور بعض المهاجرين بالغربة وعدم الانتماء، مما يجعلهم أكثر عرضة للاستقطاب الأيديولوجي. تعاني بعض المناطق ذات الكثافة العالية من المهاجرين من ضعف في الموارد والخدمات الاجتماعية، ما يزيد من حالات الهشاشة الاجتماعية ويتيح للشبكات المتطرفة توجيه رسائلها واستقطاب الأفراد بشكل منهجي. هذا الاستقطاب غالبًا ما يبدأ بالحديث عن التهميش والظلم ويؤدي تدريجيًا إلى قبول أفكار متطرفة.
الأحداث الدولية والنزاعات المسلحة تلعب دورًا إضافيًا في تعزيز سرديات التطرف، خصوصًا عندما يتعرض المهاجرون أو أسرهم في بلدانهم الأصلية لأزمات إنسانية أو صراعات. هذه الأحداث توفر أرضية لإثارة شعور بالظلم والمظلومية، ويصبح من السهل على الجماعات المتطرفة استخدام هذه المشاعر لتبرير العنف والتجنيد، بينما تساهم وسائل الإعلام والمنصات الرقمية في تضخيم هذه السرديات.
التهديد في السويد
تقارير جهاز الأمن السويدي تشير إلى تغيّر مستوى التهديد الإرهابي في السنوات الأخيرة، مع تسجيل حالات محدودة مرتبطة بالأفراد العائدين من مناطق النزاع. على الرغم من أن التهديد لم يصل إلى مستويات عالية، إلا أن وجود شبكات صغيرة تهدف إلى استقطاب الشباب في مناطق ذات كثافة مهاجرة عالية يمثل تحديًا مستمرًا للأمن المحلي. هذه الشبكات تستخدم مزيجًا من التواصل المباشر والإلكتروني لتجنيد الأفراد وإشراكهم في أنشطة متطرفة، وهو ما يتطلب مراقبة دقيقة ومبادرات وقائية متكاملة.
بالإضافة إلى ذلك، يؤدي انخفاض منح تصاريح الإقامة إلى زيادة عدد الأشخاص الذين يعيشون في حالة عدم اليقين، مما يضع ضغوطًا إضافية على المجتمعات المحلية ويؤثر على جهود الاندماج. التفاوت بين البلديات في القدرة على تقديم برامج دعم فعّالة يعمّق الفجوات الاجتماعية، ويخلق بيئة يمكن أن تستغلها الجماعات المتطرفة لاستقطاب الفئات الهشة.
كما يظهر التهديد المالي جانبًا آخر من المخاطر، حيث تحاول بعض الشبكات تمويل أنشطتها الإرهابية عبر قنوات محلية ودولية. مراقبة هذه التدفقات المالية وتنسيق الجهود مع البنوك والمؤسسات المالية يعدّ خطوة أساسية للحد من تمويل الإرهاب.
التدابير الوطنية الحالية
تعتمد السويد على مجموعة متكاملة من الإجراءات الأمنية والاستخباراتية للتصدي للتهديدات المرتبطة بالتطرف والإرهاب. يقوم جهاز Säpo بمراقبة الجماعات المتطرفة، تفكيك الخلايا النشطة، وتتبع النشاطات المشبوهة على المستوى المحلي والدولي، بالتعاون مع الشرطة السويدية والأجهزة الأمنية الأوروبية. تشمل هذه الإجراءات مراقبة السجون، متابعة المقاتلين العائدين من مناطق النزاع، وتنفيذ مبادرات تنبيه مبكر على مستوى البلديات لتعزيز الوقاية وتقليل فرص الاستقطاب.
على صعيد التشريعات، أدخلت السويد تعديلات مهمة على قوانين اللجوء والإقامة لتشديد الرقابة على الهجرة وضمان القدرة على طرد الأفراد الذين يشكلون تهديدًا للأمن العام، مع تعزيز المسؤولية الجنائية للمتورطين في الأنشطة المرتبطة بالتطرف والإرهاب.
فيما يتعلق بمكافحة تمويل الإرهاب، تراقب السلطات السويدية تدفقات الأموال المشبوهة وفق المعايير الدولية لمجموعة العمل المالي (FATF)، مع تطبيق آليات رقابية على البنوك والمؤسسات المالية لضمان عدم استغلالها لدعم الجماعات المتطرفة. إلى جانب ذلك، تنفذ البلديات برامج اندماج تهدف إلى تمكين الشباب والمهاجرين من خلال التدريب المهني، التعليم، التوجيه والإرشاد، ودعم جهود إزالة المحتوى المتطرف عبر الإنترنت بالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين.
التحديات
على الرغم من الجهود الكبيرة، لا تزال هناك فجوات واضحة في السياسات المتعلقة بالهجرة ومكافحة التطرف. تشديد قوانين الهجرة يمكن أن يؤدي إلى شعور بعض المهاجرين بالتمييز أو الإقصاء، وهو شعور قد تستغله الجماعات المتطرفة لاستقطاب الأفراد الأكثر هشاشة.
التفاوت بين البلديات في القدرة على تنفيذ برامج اندماج فعّالة يمثل تحديًا إضافيًا، حيث تمتلك بعض البلديات موارد أكبر لتقديم التدريب والتعليم ودعم الشباب، بينما تعاني بلديات أخرى من نقص في الإمكانيات. هذا الاختلاف يخلق فجوات اجتماعية يمكن أن تؤدي إلى ضعف اندماج بعض الفئات، ويزيد من خطر شعورهم بالعزلة والتهميش، ما يجعلهم أكثر عرضة للاستقطاب من قبل الشبكات المتطرفة.
التحديات الرقمية، خصوصًا مراقبة المحتوى المتطرف على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، تشكل ضغطًا إضافيًا على الموارد الأمنية، بينما يحتاج ملف العائدين من مناطق النزاع إلى متابعة قانونية واجتماعية دقيقة لضمان إعادة إدماجهم بشكل آمن ومنعهم من الانخراط مجددًا في أنشطة متطرفة.
التوصيات
لتقليل المخاطر المرتبطة بالتطرف والهجرة، يُوصى باتباع سياسة متوازنة تجمع بين تشديد الإجراءات الأمنية وبرامج اندماج قوية ومستدامة، وتشمل النقاط التالية:
- فرص تعليمية ومهنية للشباب والمهاجرين.
- تحسين الرصد المالي لمنع تمويل الإرهاب.
- برامج تدخل مجتمعي للفئات المعرضة للخطر.
- رقابة فعالة على المحتوى المتطرف على الإنترنت بالتنسيق الأوروبي.
- تعزيز التعاون الدولي وإعادة تأهيل العائدين من مناطق النزاع.
قراءة مستقبلية
من المتوقع أن تستمر السويد في مواجهة تحديات التداخل بين الهجرة والتطرف، مع ضغوط اجتماعية واقتصادية تؤثر على قدرة المجتمعات على الاندماج. سيظل التوازن بين الأمن وحقوق المهاجرين محورًا أساسيًا لخفض المخاطر وحماية المجتمع.
قد تتجه السياسات السويدية نحو تشدد أكبر في قوانين الهجرة نتيجة الضغوط الداخلية، ما قد يقلل تدفق المهاجرين لكنه يزيد من مشكلات الاندماج والتهميش. في المقابل، الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية، مثل نقص اليد العاملة وشيخوخة السكان، قد تدفع إلى سياسات هجرة انتقائية مع استثمارات أكبر في التعليم وبرامج الاندماج.
التهديدات المستقبلية لن تقتصر على الجماعات الإسلامية المتطرفة، بل تشمل أيضًا اليمين المتطرف المحلي، ما قد يخلق دوائر عنف متبادلة. كما سيستمر البعد الرقمي في تعزيز نشر الدعاية المتطرفة واستقطاب الأفراد عبر الإنترنت، ما يزيد من تحديات الرقابة والأمن.
التفاوت بين البلديات في قدرتها على استيعاب المهاجرين وتنفيذ برامج اندماج فعّالة سيظل من أبرز التحديات الداخلية، بينما التعاون الأوروبي والدولي، خصوصًا مع يوروبول، سيكون ضروريًا لمواجهة التهديدات العابرة للحدود وإدارة عودة المقاتلين من مناطق النزاع.
مستقبل السويد يعتمد على قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الأمن، حقوق الإنسان، وفعالية برامج الاندماج، لضمان مجتمع متماسك وآمن وتقليل المخاطر المرتبطة بالتطرف.
References
Andersson Malmros, R., 2022. Prevention of terrorism, extremism and radicalisation in Sweden. Taylor & Francis Online.
Isaksen, K., 2020. A Comparative Study of Official Government Reports. Nordic Journal of Migration Research.
Migrationsverket, 2025. Crime-fighting mission and security collaboration. https://www.migrationsverket.se
Säpo, 2024-2025. Årsbok 2024-2025: rapport om säkerhetshot, inklusive extremism och terrorhot. Säkerhetspolisen.
Government.se, 2025. Combating terrorism. Regeringskansliet
—-