كيف ستؤثر الحرب في لبنان على الأمن القومي السويدي؟

4 أكتوبر 2024 | دراسات, أمن قومي

المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS

مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تتزايد المخاوف الأمنية في أوروبا من احتمال امتداد تداعياتها على أمن دولها. حادثة إطلاق النار التي وقعت يوم الثلاثاء بالقرب من السفارة الإسرائيلية في السويد، والانفجار الذي أعقبها عند السفارة الإسرائيلية في الدنمارك في اليوم التالي، يشيران إلى صلة مثيرة للقلق بين هذه الأحداث والصراع المتصاعد في غزة، والذي امتد الآن إلى جنوب لبنان. هذه التطورات تؤكد أن السويد، رغم بُعدها الظاهر عن هذه الأزمات الجيوسياسية، فإن العالم اليوم بات أكثر ترابطًا من أي وقت مضى.

أعرب القائد الأعلى للقوات المسلحة السويدية الجديد، مايكل كلاسون، عن قلقه إزاء التقارير التي تفيد بدخول القوات الإسرائيلية إلى لبنان وكيف يمكن أن تؤثر التوترات المتزايدة في الشرق الأوسط على السويد. وأشار بشكل خاص إلى أن الصراع الدائر في لبنان قد تكون له تداعيات على السويد.

تمجيد الإرهاب في السويد

منذ وقوع أحداث 7 أكتوبر وبدء العمليات العسكرية التي شنتها إسرائيل ضد حماس في غزة، اتسعت آثار الصراع لتتجاوز حدود المنطقة المتنازع عليها، مما أثر على الأوضاع الأمنية في السويد. شهدت البلاد مظاهرات عبّر خلالها بعض المشاركين عن تأييدهم لعمليات حماس التي أدت إلى مقتل مئات المدنيين. إلى جانب ذلك، وردت تقارير عن وقوع هجمات استهدفت اليهود في السويد، مما زاد من الشعور بعدم الأمان وساهم في تصاعد التوترات بين المجتمعات المسلمة واليهودية.

تزايد معاداة السامية

منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس، وقعت عدة حوادث بالقرب من السفارة الإسرائيلية في ستوكهولم. تعرضت السفارة لهجومين: حيث تم اكتشاف عبوة ناسفة في يناير 2024، وتم إطلاق أعيرة نارية في مايو، دون الإبلاغ عن وقوع إصابات. في نفس الشهر، أفادت المخابرات السويدية بأن هناك شبهات حول تجنيد إيران لأعضاء من العصابات الإجرامية السويدية لتنفيذ هجمات ضد إسرائيل، وهو ما نفته إيران.

بعد الهجمات التي حدثت في 7 أكتوبر، بات العديد من اليهود في السويد يشعرون بالقلق وانعدام الأمان، مع ارتفاع مخاوفهم من معاداة السامية والتهديدات التي تستهدف المجتمعات اليهودية. استجابةً لذلك، قامت الجماعات اليهودية بتعزيز إجراءاتها الأمنية، بما في ذلك زيادة وجود الشرطة في المعابد اليهودية والفعاليات المختلفة. كما شهد عدد جرائم الكراهية التي تحمل دوافع معادية للسامية ارتفاعًا ملحوظًا بعد 7 أكتوبر.

في الآونة الأخيرة، عقب العملية البرية التي نفذتها إسرائيل في لبنان وقصف إيران لإسرائيل، تم إطلاق النار على السفارة في ستوكهولم.

الحرب في لبنان وتأثيرها على السويد

مما لا شك فيه أن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وخاصة الصراع المتصاعد بين إسرائيل وحزب الله، يمكن أن تؤثر على السويد وعلى الأمن الوطني السويدي بطرق متعددة.

الاستقطاب والتوترات الاجتماعية

تؤدي الحروب دائمًا إلى عواقب إنسانية، خاصةً بالنسبة للمدنيين مثل الأطفال والنساء. الصور المؤلمة لضحايا النزاع في غزة ولبنان تثير مشاعر قوية وتعاطفًا، خصوصًا بين المسلمين والعرب وبعض المجموعات في السويد التي تعبر عن تضامنها مع المتضررين. هذا الوضع يؤدي إلى انقسام واضح في المجتمع السويدي، حيث يدعم البعض إسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها، خصوصًا بعد الأحداث التي جرت في 7 أكتوبر.

شهدت السويد، على غرار العديد من الدول الأوروبية الأخرى، مظاهرات تدعم كل من الآراء الإسرائيلية والفلسطينية، مما يكشف عن الانقسامات السياسية والاجتماعية ويزيد من حدة التوتر. ومع النزاع في جنوب لبنان، يبرز خطر حدوث مزيد من المظاهرات في السويد، مما قد يؤدي إلى تفاقم الانقسام الداخلي. هذه الاستقطابات تشكل تهديدًا للأمن والاستقرار في البلاد من خلال خلق بيئة مليئة بالتوترات والصراعات المحتملة.

استغلال الأزمات من الجماعات المتطرفة

تُعرف الجماعات المتطرفة، وخاصة الجماعات الاسلاموية، في الدول الأوروبية، بما في ذلك السويد، بقدرتها على استغلال الأحداث والتوترات في الشرق الأوسط لتعزيز نفوذها وزيادة قاعدتها الشعبية. تقوم هذه الجماعات بتجنيد العديد من الشباب والأطفال من الجاليات المسلمة ولا سيما أولئك الذين لهم جذور في مناطق الصراع. حيث تستثمر هذه الجماعات في الأزمات والحروب لنشر الأيديولوجيات المتطرفة، وتعزيز التطرف وخطاب الكراهية ضد الآخرين، بما في ذلك ضد إسرائيل والدول الداعمة لها. وكما تم استغلال حرب غزة من قبل هذه الجماعات سيتم استغلال الحرب في لبنان في ظل تصاعد الحرب.

تستخدم الجماعات المتطرفة أساليب متلاعبة، من خلال نشر صور وفيديوهات مأساوية لضحايا مدنيين، مثل الأطفال والنساء، بهدف تحريك مشاعر الشباب وتجنيدهم في صفوفها. لطالما كانت هذه الجماعات وراء العديد من المظاهرات المؤيدة لحماس والداعمة للقضية الفلسطينية، رغم أنها تمارس أنشطتها في الغالب بشكل سري، مختبئة وراء واجهات المساجد والمراكز الإسلامية والجمعيات الخيرية. كما أن خطابها يتسم بالازدواجية، مما يسهل عليها نشر أيديولوجيات التطرف والكراهية، مستفيدة من سيطرتها على عدد كبير من المساجد في السويد.

في المقابل، تستغل الجماعات اليمينية الشعبوية هذه الأحداث لتعزيز موقفها وتعزيز أيديولوجياتها. فهي تستغل وتضخم مشاعر الإسلاموفوبيا لتجنيد أعضاء جدد ودعم أجنداتها وأهدافها، وخاصة فيما يتعلق بقضايا الهجرة. هذه الجماعات تستثمر الاضطرابات الاجتماعية والسياسية لتحقيق أهدافها، مما يعكس صورة معقدة لمشهد سياسي واجتماعي يعاني من الانقسامات. وفي حال تصاعد  التوترات في لبنان و وفي حال  تطورت الحرب في لبنان واستمرت كما في غزة،  قد يؤدي هذا  إلى زيادة في الأنشطة المرتبطة بالجماعات المتطرفة أو الإرهابية، مما قد يؤثر على الأمن الداخلي في السويد

تظهر هذه الديناميكيات كيف أن الجماعات المتطرفة الإسلاموية واليمينية كلاهما يلعبان على أوتار الاضطرابات الاجتماعية والسياسية ، مما يزيد من تحديات التعايش والتفاهم بين مختلف الثقافات في المجتمعات الأوروبية.

تأثير الحرب الجارية في لبنان على السويد من منظور اللجوء

في حال اندلاع حرب كبيرة في لبنان، من المحتمل أن يتزايد تدفق اللاجئين إلى الدول الأوروبية، بما في ذلك السويد. هذا التدفق قد يثير مخاوف اجتماعية وسياسية تتعلق بقدرة السويد على استيعاب أعداد كبيرة من اللاجئين، خاصة في ظل السياسات  المؤيدة لخفض مستويات الهجرة و اللجوء تتبعها معظم الأحزاب السياسية في البرلمان، بالإضافة إلى تماهي الشارع السويدي مع هذه الاتجاه

تزايد أعداد اللاجئين قد يفتح المجال أمام خطاب الكراهية والتطرف، حيث يمكن لبعض الجماعات استغلال الوضع لتغذية مشاعر القلق وعدم الاستقرار بين المواطنين. من الممكن أن تؤدي هذه الديناميكيات إلى ارتفاع نسبة التوترات الاجتماعية، مما يزيد من انقسام المجتمع.

العوامل والإجراءات الوقائية 

ما هي الإجراءات الأمنية والمجتمعية التي ينبغي على السويد اتخاذها لمنع تداعيات النزاعات في الشرق الأوسط، وخاصة الحرب في لبنان، لضمان الاستقرار والأمان في السويد؟

عند تناول العوامل التي تؤثر في أمن السويد، من الضروري أن ننظر أيضًا إلى السياسات الداخلية والخارجية للسويد، خاصة في سياق مواقفها من النزاعات الدولية.على سبيل المثال، تؤثر مواقف السويد من النزاع الفلسطيني الإسرائيلي والنزاع بين إسرائيل وحزب الله بشكل مباشر على استقرار المجتمع السويدي. في حالة عدم توازن هذه المواقف، يمكن أن تستغلها الجماعات المتطرفة في تعزيز مشاعر الكراهية وتأجيج التوترات والانقسامات داخل المجتمع.

لقد شهدنا في الآونة الأخيرة مظاهرات كبيرة في السويد ودول أوروبا الأخرى، احتجاجًا على ما اعتبره البعض تعاطفًا غير متوازن مع طرف معين خلال أحداث الحرب في غزة. هذه المظاهرات أثارت قلقًا كبيرًا لدى أجهزة الاستخبارات، حيث يمكن أن تتحول إلى بؤر توتر تؤدي إلى انقسام المجتمع.

تؤثر النزاعات مثل حرب غزة والصراع الجاري في لبنان بشكل ملحوظ على الأمن والسلام في السويد. لذا، من الضروري اتخاذ إجراءات شاملة لمواجهة التطرف والإرهاب. ينبغي أن تتضمن هذه الإجراءات ما يلي:

سياسات متوازنة: يجب أن تكون مواقف السويد تجاه النزاعات الدولية، وبشكل خاص الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، متوازنة. هذا التوازن يساعد في تقليل الفرص المتاحة للجماعات المتطرفة لاستغلال المواقف السويدية في دعواتها للكراهية والعنف.

رقابة على المنظمات: ينبغي فرض رقابة مشددة على المنظمات التي قد تنشر أفكارًا متطرفة، سواء كانت إسلامية أو يمينية. يتطلب ذلك تقييمًا دقيقًا للأنشطة والمصادر المالية لهذه المنظمات.

إغلاق المراكز المتطرفة: يجب اتخاذ إجراءات قانونية لإغلاق المراكز والمنظمات التي تدعو إلى التطرف.

مراقبة الأفراد والجماعات الخطرة: يجب مراقبة كل من الأفراد والمجموعات الذين يُعتبرون تهديدًا للأمن، سواء في تواجدهم الفعلي أو في أنشطتهم على الإنترنت.

مراقبة الأنشطة على الاتنرنيت: يجب توظيف مجموعات مسؤولة عن مراقبة غرف الدردشة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الجماعات المتطرفة بنشر أفكارها وتخطيط أعمالها.

محاربة الخطاب المتطرف: يجب اتخاذ إجراءات شاملة لمكافحة التطرف، سواء في العالم الرقمي أو في الواقع، من خلال تنفيذ تشريعات صارمة، وتعزيز دور الإعلام المسؤول، وتفعيل مشاركة المجتمع المدني، بالإضافة إلى تعزيز النقاش السياسي..

إجراءات أمنية روتينية: يجب تعزيز الرقابة على الحدود، وتشديد التفتيشات لضمان منع العناصر المتطرفة من الدخول إلى البلاد

النتائج 

في ظل التحديات المتزايدة الناتجة عن النزاعات الدولية، تحتاج السويد إلى اعتماد إجراءات أمنية ومجتمعية شاملة تضمن استقرارها وأمنها. يتطلب ذلك استراتيجيات متوازنة، ورقابة فعالة على الأنشطة المتطرفة، وتعزيز الوعي العام بمخاطر التطرف.

في المجمل، الحرب في لبنان قد تخلق تحديات جديدة للسويد على الصعيدين الداخلي والدولي، وتتطلب استجابة فعالة لضمان الأمن القومي والاستقرار.

لمواجهة هذه التحديات، من المهم تعزيز الحوار والتفاهم بين مختلف فئات المجتمع. كما يجب العمل على تقليل الاستقطاب الذي يهدد التماسك الاجتماعية، من خلال إنشاء منصة للتواصل البنّاء تسهم في بناء مجتمع أكثر سلامًا وتماسكًا.