حرب بلا حسم: كيف تدفع المواجهة إيران نحو الردع النووي

4 أبريل 2026 | تحليلات

المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS

تحليل – في ظل تصاعد التوترات الدولية وتزايد حالة عدم اليقين في النظام العالمي، تعود الحروب التقليدية لتفرض نفسها كأداة لإعادة رسم موازين القوى. غير أن هذه الصراعات لم تعد محصورة في حدود الدول المتحاربة، بل باتت آثارها تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي والاستقرار الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، تبرز المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران كواحدة من أخطر الأزمات الراهنة.

تُعتبر الحرب التي يقودها دونالد ترامب ضد إيران مغامرة سياسية تفتقر إلى رؤية واضحة وأهداف محددة، حيث يدفع المدنيون ثمنها مهما كانت نتائجها. وقد بدأت هذه الحرب بالفعل تُسفر عن تداعيات يصعب التنبؤ بها، لا تقتصر على الولايات المتحدة وإيران فحسب، بل تمتد آثارها إلى العالم بأسره.

فمضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي وثلث تجارة الأسمدة العالمية – أصبح عمليًا مغلقًا، مما يهدد تدفقات تجارية تُقدَّر قيمتها بنحو 1.2 تريليون دولار سنويًا، أي ما يعادل ثلاثة إلى خمسة أضعاف جميع اضطرابات إمدادات النفط السابقة في العصر الحديث.

أما على الصعيد السياسي، فلا تقل التداعيات خطورة، إذ أدت الهجمات الانتقامية التي شنتها إيران ضد دول الخليج إلى تقويض الثقة مع جيرانها العرب، ومن المرجح أن تُعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة لسنوات طويلة قادمة. وفي المقابل، أظهرت الولايات المتحدة عجزًا واضحًا عن حماية حلفائها من أساليب الحرب غير المتكافئة التي طورتها إيران على مدى عقود، وهو ما يُعد خرقًا خطيرًا للثقة، تتجاوز آثاره حدود الخليج لتطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل علاقات دول شرق آسيا وأوروبا مع الولايات المتحدة في ظل هذه التطورات.

استراتيجية “الفسيفساء” الإيرانية وحدود القوة الأمريكية

لقد استعدّ الحرس الثوري الإيراني لهذا النوع من الحروب منذ اللحظة التي شاهد فيها سقوط خصمه التاريخي، نظام صدام حسين، على يد الولايات المتحدة خلال غزو العراق 2003. فقد مثّلت تلك الحرب، وما تلاها من احتلال طويل ومكلف، نموذجًا واضحًا للتهديد الذي سعت القيادة الإيرانية إلى تفاديه، ليس فقط من خلال الردع التقليدي، بل عبر تطوير عقيدة عسكرية بديلة تقوم على الصمود والاستنزاف بدل المواجهة المباشرة.

ومن هذا المنطلق، أعادت إيران هيكلة منظومتها العسكرية على نحو عميق، فعملت على تفكيك مركزية القيادة والسيطرة، وتوزيع القدرات العسكرية على نطاق جغرافي واسع، بما يشمل وحدات نظامية وغير نظامية. وتهدف هذه المقاربة، المعروفة بـ”استراتيجية الفسيفساء”، إلى ضمان استمرارية القتال حتى في حال تعرّض البنية القيادية لضربات قاسية، بحيث لا يؤدي فقدان القيادة المركزية أو تدمير البنية التحتية للاتصالات إلى انهيار شامل. كما تمنح هذه الاستراتيجية قادة الميدان استقلالية كبيرة في اتخاذ القرار، الأمر الذي يزيد من مرونة العمليات العسكرية ويعقّد قدرة الخصم على التنبؤ بسلوك القوات الإيرانية.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على الداخل الإيراني فحسب، بل تمتد إلى شبكة أوسع من الحلفاء والوكلاء في المنطقة، ما يمنح طهران عمقًا استراتيجيًا إضافيًا وقدرة على نقل الصراع إلى مسارح متعددة. وبهذا المعنى، تتحول الحرب من مواجهة تقليدية بين دولتين إلى صراع مركّب ومتعدد المستويات، يصعب حسمه بسرعة، ويُثقل كاهل الخصم سياسيًا وعسكريًا.

حدود القوة الأمريكية

في المقابل، تبدو الحسابات الأمريكية محكومة باعتبارات سياسية واستراتيجية معقّدة. فرغم الطابع غير المتّسق لسياسات دونالد ترامب، واحتمال لجوئه نظريًا إلى خيار إرسال قوات برية، فإن التقدير العام يشير إلى أن واشنطن لا ترغب في تحمّل كلفة حرب برية واسعة في إيران، نظرًا لما تنطوي عليه من مخاطر بشرية وسياسية واقتصادية، خاصة في ظل تجارب سابقة في العراق وأفغانستان. وبدون تدخل بري، تصبح القدرة على إسقاط النظام الإيراني أو إعادة تشكيله بشكل جذري محدودة للغاية، إذ إن الضربات الجوية، مهما بلغت دقتها، لا تكفي لتحقيق تغيير سياسي عميق.

كما أن الصراع لا يمكن اختزاله في معادلة ثنائية بسيطة، وكأن النتيجة ستكون إما بقاء الجمهورية الإسلامية دون تغيير أو انهيارها الكامل. فالواقع يشير إلى احتمالات أكثر تعقيدًا، مثل إضعاف تدريجي لمؤسسات الدولة، أو إعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام نفسه، أو حتى ظهور مراكز نفوذ موازية دون انهيار شامل. وهذه السيناريوهات تعكس طبيعة الأنظمة الهجينة التي تمتلك قدرًا من التماسك الداخلي رغم الضغوط الخارجية.

ومن جهة أخرى، فإن إطالة أمد الحرب ستؤدي بلا شك إلى ارتفاع التكاليف الاقتصادية والاجتماعية على إيران، خاصة في ظل العقوبات والضغوط المالية. غير أن الرهان الأمريكي على شلّ النظام عبر استهداف قياداته السياسية والعسكرية يعكس قدرًا من سوء الفهم لطبيعة عمل الجمهورية الإسلامية، التي تقوم على بنية مؤسساتية متداخلة، حيث لا يؤدي غياب بعض القيادات بالضرورة إلى انهيار النظام ككل.

وقد تعزّز هذا الفهم السطحي من خلال افتراضات غير دقيقة، من بينها الاعتقاد بأن إيران ستستخدم كامل ترسانتها الصاروخية دفعة واحدة. إلا أن العقيدة العسكرية الإيرانية تقوم على مبدأ “الاقتصاد في استخدام القوة” وإدارة الموارد على المدى الطويل، بحيث يتم توظيف القدرات الصاروخية بشكل تدريجي ومدروس، بما يحقق أقصى تأثير ممكن مع الحفاظ على القدرة على الاستمرار. وعليه، فإن انخفاض عدد الصواريخ المطلَقة في مرحلة معينة لا يعكس ضعفًا، بل قد يكون مؤشرًا على استراتيجية محسوبة تهدف إلى إطالة أمد الصراع واستنزاف الخصم على المدى البعيد.

الحرب غير المتكافئة ومعايير النصر

في امتداد لمنطق “استراتيجية الفسيفساء”، تقوم المقاربة الإيرانية على تحويل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة، حيث لا يكون الهدف تحقيق حسم عسكري مباشر، بل إضعاف الخصم تدريجيًا ورفع كلفة المواجهة عليه. وفي ظل العجز عن مجاراة التفوق الجوي الأمريكي والإسرائيلي، اعتمدت طهران على أدوات غير متكافئة، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ، تُستخدم بطريقة محسوبة لضمان الاستمرارية وإرباك الخصم.

وقد أظهرت هذه الديناميكية حدود القدرة الأمريكية على التكيّف مع هذا النمط من الحروب، خاصة في ما يتعلق بحماية القواعد والحلفاء. فبينما ترتكز الاستراتيجية الإيرانية على وسائل منخفضة الكلفة وسريعة التعويض، تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل على منظومات دفاعية متقدمة لكنها باهظة وبطيئة الإنتاج. هذا الاختلال لا يمنح إيران تفوقًا عسكريًا، لكنه يتيح لها إدارة معركة استنزاف تُرهق خصومها ماديًا واستراتيجيًا.

وفي هذا السياق، تتباين مقاييس “النصر” بين الأطراف بشكل واضح؛ فبالنسبة لإيران، يتمثل النجاح في القدرة على الصمود والحفاظ على تماسك النظام، تمهيدًا لفرض شروط تفاوضية أكثر توازنًا. في المقابل، تبدو الأهداف الأمريكية أقل وضوحًا وأكثر تقلبًا، ما يجعل تحقيقها معقدًا، بينما تركز إسرائيل على تقليص التهديد الإيراني إلى أدنى مستوى ممكن، رغم ما يحمله ذلك من احتمالات تصعيد غير محسوب.

وفي إطار هذه المقاربة، تعمل إيران على رفع كلفة الصراع على خصومها عبر استهداف المصالح الحيوية وتهديد أمن الملاحة في مضيق هرمز، بهدف دفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في استراتيجيتها والقبول بالعودة إلى طاولة المفاوضات تحت ضغط متزايد.ضمن هذا السياق، تسعى إيران إلى تعظيم كلفة الحرب على خصومها من خلال استهداف المصالح الحيوية وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، بهدف دفع الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم استراتيجيتها والعودة إلى التفاوض تحت الضغط.

وإذا ما انتهى الصراع خلال فترة زمنية محدودة، فمن المرجح أن تخرج الجمهورية الإسلامية في حالة إنهاك، لكنها تحافظ على بقائها، الأمر الذي قد يدفعها إلى تعزيز منظومتها الردعية بشكل أعمق، وربما تبني خيارات استراتيجية جديدة تحول دون تكرار مثل هذا السيناريو مستقبلاً. أما إذا استمر الصراع بوتيرة منخفضة، فإن الضغوط الاقتصادية والعزلة الإقليمية قد تقود إلى حالة استنزاف داخلي ممتد، تتآكل خلالها قدرات الدولة تدريجيًا، دون أن يصل ذلك بالضرورة إلى حد الانهيار الكامل، خاصة في ظل غياب بديل سياسي واضح.

سيناريو البقاء والتصعيد النووي

إذا انتهى الصراع دون حسم عسكري واضح، فإن بقاء الجمهورية الإسلامية – ولو في حالة إنهاك – سيترجم على الأرجح إلى إعادة صياغة عميقة لعقيدتها الردعية. فالتجربة الحالية ستعزز قناعة القيادة الإيرانية بأن أدوات الردع التقليدية لم تعد كافية في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، لا سيما في ظل هشاشة الضمانات الدولية.

في هذا السياق، يبرز الخيار النووي كمسار استراتيجي محتمل، ليس بدافع أيديولوجي، بل كضمانة للبقاء ووسيلة لفرض توازن ردع أكثر استقرارًا، بما يقلل من احتمالات تكرار سيناريو الحرب ويمنح طهران موقعًا تفاوضيًا أقوى في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: إذ إن الحرب التي تهدف إلى منع إيران من تطوير قدرات نووية قد تتحول إلى العامل الذي يدفعها نحو هذا المسار. وبهذا المعنى، لا يُعدّ التصعيد النووي نتيجة عرضية للصراع، بل أحد مخرجاته الأكثر ترجيحًا، في حال انتهائه دون تغيير جذري في بنية النظام أو في معادلات الردع القائمة.

مسارات الصراع

وفي هذا الإطار، لا يبدو أن مسارات الصراع تتجه نحو حسم واضح بقدر ما تعكس تحولات أعمق في طبيعة الردع وتوازن القوى في المنطقة. فالتجربة الراهنة قد لا تقتصر آثارها على نتائجها المباشرة، بل تمتد لتعيد تشكيل حسابات الفاعلين الإقليميين والدوليين على حد سواء. ومع استمرار حالة عدم اليقين، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه الحرب ستُفضي إلى احتواء المخاطر، أم إلى إعادة إنتاجها في أشكال أكثر تعقيدًا.