جبهة تحرير الشام وداعش ، صراع النفوذ في شمال غرب سوريا

25 يناير 2025 | أمن قومي, دراسات, مكافحة الإرهاب والتطرف

المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS

منذ أن أحكمت هيئة تحرير الشام قبضتها على محافظة إدلب عام 2019، شهدت موازين القوى في شمال غرب سوريا تحولات جذرية. فقد أعادت الهيئة رسم المشهد “الجهادي” الذي كان يعاني سابقًا من الانقسام والتشرذم، وسعت إلى فرض هيمنتها سياسيًا وعسكريًا. وفي المقابل، لا يزال تنظيم داعش، رغم فقدانه السيطرة على الأرض، يمثل تهديدًا مستمرًا من خلال شنّ هجمات عنيفة بأسلوب حرب العصابات.

من الارتباط بالقاعدة إلى صراع السلطة

تطوّرت هيئة تحرير الشام من جبهة النصرة، الفرع السوري لتنظيم القاعدة، وشهدت منذ تأسيسها عام 2011 تحولات تنظيمية وعقائدية متعددة. وبعد إعلانها الانفصال عن القاعدة في 2016، أعادت الهيكلة أكثر من مرة، إلى أن توحّدت عدد من الجماعات تحت قيادتها بقيادة “أبو محمد الجولاني”، وأصبحت القوة المسيطرة في إدلب، تديرها عسكريًا ومدنيًا عبر ما يُعرف بـ “حكومة الإنقاذ”.

ورغم تراجع خطابها “الجهادي” العابر للحدود، لا تزال الهيئة تسعى لإقامة حكم إسلامي في سوريا، وهو ما يعتبره البعض تكتيكًا سياسيًا لا يعكس بالضرورة تحوّلًا أيديولوجيًا حقيقيًا.

داعش: التهديد المتحوّل

منذ انهيار ما يُعرف بـ”الخلافة” عام 2019، تحوّل تنظيم داعش إلى حركة تمرد لا مركزية، ينفّذ هجمات محدودة ولكنها دموية في سوريا والعراق. وعلى الرغم من خسارته آخر معاقله في الباغوز، لا يزال التنظيم نشطًا من خلال خلاياه المنتشرة وفروعه في مناطق متعددة حول العالم، بما في ذلك أفريقيا وآسيا.

وفقًا لتقديرات مركز تحليل الإرهاب والاتجاهات العالمية (GTTAC)، نفّذ التنظيم نحو 8000 هجوم في سوريا بين عامي 2018 و2024، بما في ذلك اشتباكات ضد فصائل جهادية منافسة كهيئة تحرير الشام. وبفضل بنيته السرية، ودعايته الفعالة، وتكتيكاته غير النظامية، لا يزال يُعدّ من أخطر التنظيمات الإرهابية عالميًا.

رغم تقاطعاته العقائدية مع هيئة تحرير الشام، إلا أن التنظيمين يختلفان جذريًا في الأهداف والاستراتيجية، ما يفتح الباب أمام احتمالات صراع طويل الأمد بين الطرفين.

حكومة مؤقتة أم مناورة سياسية؟

في محاولة لتعزيز شرعيتها، شكّلت هيئة تحرير الشام ما يُعرف بـ”حكومة الإنقاذ” كإدارة مدنية في المناطق التي تسيطر عليها. وتسعى من خلالها إلى كسب ثقة السكان المحليين وتخفيف الضغوط الدولية، بل والانفتاح على قنوات تواصل غير رسمية مع بعض الأطراف الإقليمية والدولية.

لكن التباين في المواقف الدولية تجاه الهيئة لا يزال قائمًا: فبينما تتبنّى بعض الدول الغربية موقفًا أكثر براغماتية، تُصنّف الهيئة رسميًا كجماعة إرهابية من قبل الولايات المتحدة والأمم المتحدة. ويعتبرها نقّادها واجهة سياسية تخفي أجندة متطرفة، لا سيّما في ظل سياساتها القمعية تجاه الفصائل المعتدلة.

وهنا تبرز إشكالية جوهرية: هل تسعى الهيئة بالفعل إلى لعب دور سياسي شرعي في المستقبل السوري؟ أم أن تشكيل الحكومة المؤقتة لا يتعدى كونه خطوة تكتيكية لتلميع صورتها أمام الخارج؟

سوريا… ساحة صراع جيوسياسي

تحوّلت سوريا إلى مسرح لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، حيث تلعب هيئة تحرير الشام وداعش أدوارًا متباينة في رسم المشهد الأمني. فبينما تركز الهيئة على تعزيز وجودها المحلي، يواصل داعش تنفيذ هجمات إرهابية بأسلوب العصابات.

وتختلف مواقف القوى الفاعلة تجاه هذه الديناميكيات:

تركيا تسعى إلى منع نشوء كيان كردي على حدودها، وتغضّ الطرف – بل تتعاون أحيانًا – مع الهيئة باعتبارها أداة توازن ضد قوات قسد ونظام دمشق.

الولايات المتحدة، ورغم تقليص حضورها العسكري، تواصل دعم “قسد” في محاربة داعش، وتُبدي انفتاحًا محدودًا تجاه الهيئة، بشرط استمرارها في مواجهة التنظيم المتطرف وعدم تهديد المصالح الغربية.

روسيا تضع الهيئة وداعش في خانة التهديد، لكنها تركّز على قصف مواقع الهيئة شمال غرب سوريا، بينما تنسّق مع تركيا عسكريًا وسياسيًا.

التنافس “الجهادي”: بين الشرعية المحلية والجهاد العالمي

رغم الانتماء العقائدي المشترك، إلا أن الهيئة وداعش تختلفان جذريًا في الرؤية والوسائل. فداعش لا يزال يروّج لأطروحة “الجهاد العالمي”، بينما تسعى الهيئة إلى تقديم نفسها كفاعل محلي يسعى للقبول السياسي. وقد تصاعدت التوترات بين الطرفين، خاصة في إدلب، حيث اندلعت مواجهات مباشرة بين الهيئة وخلايا داعش.

وفي ظل هشاشة الوضع الأمني وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يجد داعش أرضية خصبة لاستقطاب عناصر جدد وتعزيز وجوده. ويستغلّ التنظيم الثغرات الأمنية والنزاعات الطائفية، ما يهدّد بتجدد دورة العنف في البلاد.

يرى كولين كلارك، رئيس قسم السياسة والبحوث في مجموعة سوفان، أن “التحدي الأمني الأكبر أمام أي سلطة سورية جديدة هو فرض سيطرتها على القوة داخل الحدود السيادية”، محذّرًا من أن “داعش يراقب الوضع عن كثب، وقد يخطط لتهريب عناصره من معسكرات الاحتجاز”.

من جهته، عبّر أحمد طعمة، رئيس الحكومة السورية المؤقتة السابق، عن تفاؤله بقدرة الإدارة الجديدة على التصدي لداعش، مشيرًا إلى خلفيتها السلفية كعامل مساعد. لكن كلارك عاد ليؤكد أن التهديد لا يزال قائمًا، وأن الوضع في سوريا لا يزال معقّدًا.