تحولات السياسة الأمريكية تجاه روسيا: هل تشكل تهديدًا لاستقرار تحالف العيون الخمس؟

19 مارس 2025 | أمن دولي, دراسات

المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS

مع تزايد التوترات الجيوسياسية، تواجه التحالفات الاستخباراتية العالمية مثل فايف آيز “العيون الخمس” تحديات كبيرة. فقد أثار قرار الولايات المتحدة بتقليص تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا تساؤلات بشأن مستقبل التحالف، خصوصًا في ظل التغيرات في العلاقات بين واشنطن والكرملين. تجد المملكة المتحدة وكندا نفسيهما في موقف صعب بين التزاماتهما تجاه أوكرانيا وولاءهما للولايات المتحدة. هل سيتمكن التحالف من التكيف مع هذه التغييرات، أم أن تماسكه سيكون مهددًا بسبب العوامل الداخلية والخارجية؟

العيون الخمس

فايف آيز (FVEY) هو تحالف استخباراتي دولي يتكون من الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، كندا، أستراليا ونيوزيلندا. تم تأسيس التحالف خلال الحرب العالمية الثانية لتمكين تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومنذ ذلك الحين تطور ليصبح واحدًا من أكبر وأكفأ شبكات الاستخبارات في العالم. يركز التحالف على استخبارات الإشارات (SIGINT)، والأمن السيبراني، ومكافحة الإرهاب.

يتحمل الأعضاء مسؤولية جمع المعلومات الاستخباراتية ضمن مناطق جغرافية محددة:

– المملكة المتحدة: أوروبا، غرب روسيا، الشرق الأوسط وهونغ كونغ.
– الولايات المتحدة: الشرق الأوسط، الصين، روسيا، أفريقيا والكاريبي.
– أستراليا: جنوب وشرق آسيا.
– نيوزيلندا: جنوب المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا.
– كندا: داخل روسيا والصين وأجزاء من أمريكا اللاتينية.

على الرغم من التقسيم الجغرافي، فإن نجاح التحالف يعتمد على التعاون الوثيق والجهود الاستخباراتية المشتركة.

أثر التغييرات في سياسة الولايات المتحدة على العيون الخمس

على مدار ما يقرب من ثمانية عقود، تعاونت دول العيون الخمس مع بعضها البعض بناءً على ثقة متبادلة، مما ساهم في تحقيق تعاون استخباراتي فعال. ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة، وخاصة في ظل إدارة دونالد ترامب، أثارت مخاوف من أن الشراكة قد تكون على وشك الانهيار.

منذ بداية فترته الحالية، أثرت سياسات ترامب وخطاباته بشكل كبير على علاقات الولايات المتحدة مع أقرب حلفائها. كان قرار سحب الدعم العسكري والاستخباراتي عن أوكرانيا بمثابة تحول كبير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وقد جاء هذا في وقت تصاعد فيه العدوان الروسي، مما أدى إلى حالة من عدم اليقين بشأن موثوقية الولايات المتحدة كشريك. وعلى الرغم من أن ترامب قد أكد أن القرار يخدم المصالح الأمريكية، إلا أنه أضر بشكل أكبر بالثقة بين الحلفاء، خصوصًا في إطار التعاون داخل العيون الخمس.

عندما تخفّض الولايات المتحدة من مستوى التزامها، تجد كلٌّ من المملكة المتحدة وكندا نفسيهما مضطرتين لسدّ هذا الفراغ. وفي الوقت ذاته، تخطط أوروبا بالفعل لزيادة إنفاقها الدفاعي وتعزيز دعمها لأوكرانيا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي يعنيه هذا لتحالف العيون الخمس، حين تبدأ الولايات المتحدة في التشكيك بولائها لأهداف التحالف؟

لقد أثارت السياسة الخارجية المثيرة للجدل التي اتبعها دونالد ترامب، إلى جانب تعامله غير المسؤول مع المعلومات الحساسة، شكوكًا عميقة بشأن مدى موثوقية الولايات المتحدة كشريك استخباراتي. إذ تسببت التسريبات والأخطاء في التعامل مع الوثائق السرية في إثارة قلق لدى الحلفاء، وخاصة المملكة المتحدة وكندا، بشأن جدوى استمرار تبادل المعلومات الاستخباراتية. فهناك تخوّف حقيقي من احتمال إساءة استخدام هذه المعلومات، مما قد يترتب عليه عواقب أمنية وخيمة. وما يزيد من حدة القلق هو الشعور المتنامي بأن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر أمن حلفائها أولوية استراتيجية طويلة الأمد. فجوهر تحالف العيون الخمس يقوم على مبدأ تقاسم المخاطر — وحين يتعثر طرف، يتأثر الجميع.

ساهمت أيضًا خطابات ترامب التي تركز على شعار “أمريكا أولًا” في تغيير ديناميكيات القوة العالمية، حيث أصبحت الولايات المتحدة تركز بشكل متزايد على مصالحها الداخلية. وخلال فترة قيادته، تراجع الدعم للتحالفات مثل الناتو، وتضاءل احترام النظام الدولي. وقد بدأت آثار ذلك بالظهور فعليًا، خاصة في أوروبا، حيث يعيد القادة – وفي مقدمتهم قادة المملكة المتحدة – النظر في استراتيجياتهم الأمنية. بل إن بعضهم يفكر في تشكيل تحالفات جديدة لا تشمل الولايات المتحدة، كردّ فعل على سياسة ترامب الخارجية غير المتوقعة.

تقارب واشنطن مع الكرملين

أثار تقارب ترامب مع روسيا خلال فترة حكمه قلقًا داخل تحالف العيون الخمس، حيث بدأ الحلفاء يفكرون في تقليص تبادل المعلومات مع الولايات المتحدة، خوفًا من تسرب معلومات استخباراتية حساسة. وقد استمرت حالة عدم اليقين بشأن نوايا الولايات المتحدة، لا سيما مع استمرار واشنطن في إجراء محادثات مع موسكو بشأن الحرب في أوكرانيا. والسؤال المطروح هو: هل تهدف هذه المحادثات إلى خفض التوترات، أم أنها تشير إلى تغير أعمق في أولويات الولايات المتحدة الاستراتيجية؟

المملكة المتحدة بين تحالف العيون الخمس والتزاماتها الأوروبية

تواجه المملكة المتحدة تحديًا جيوسياسيًا معقدًا في ما يتعلق بتحالف “العيون الخمس” وعلاقاتها مع الولايات المتحدة. فمن جهة، تجمعها بالولايات المتحدة علاقة تعاون استخباراتي وثيقة تُعد جزءًا أساسيًا من سياستها الأمنية. ومن جهة أخرى، أثارت السياسة الخارجية غير المتوقعة التي انتهجها دونالد ترامب، وسحب الدعم المقدم لأوكرانيا، تساؤلات حول استراتيجية المملكة المتحدة الأمنية طويلة الأمد. وهذا ما يدفعها اليوم إلى التفكير في تنويع تحالفاتها، لا سيما مع أعضاء الناتو الأوروبيين، لضمان حماية مصالحها في حال انسحبت الولايات المتحدة في أزمة مستقبلية.

وبوصفها من أبرز الداعمين لأوكرانيا، تجد المملكة المتحدة نفسها أمام معضلة في كيفية التعامل مع تقارب الولايات المتحدة من موسكو. فمن ناحية، تسعى إلى الحفاظ على التعاون مع واشنطن في إطار تحالف العيون الخمس، ومن ناحية أخرى، قد يؤدي هذا التقارب إلى الإضرار بعلاقاتها مع الحلفاء الأوروبيين وتقويض الثقة في التحالف. وفي الوقت نفسه، فإن التزامها المستقل تجاه أوكرانيا وواجباتها ضمن حلف الناتو يتطلبان منها أن توازن بدقة بين التزاماتها الدولية لتجنب توترات محتملة، سواء داخل تحالف العيون الخمس أو مع شركائها الأوروبيين.

العيون الخمسية والصين – الانقسامات الاستراتيجية في ظل التوترات المتزايدة

علاقات الولايات المتحدة مع الصين خلقت تصدعات جديدة داخل تحالف العيون الخمسية. خلال إدارة ترامب، تبنت الولايات المتحدة سياسة تصادمية تجاه بكين، تميزت بالحروب التجارية وفرض عقوبات على الشركات الصينية مثل هواوي. هذا أجبر أعضاء التحالف على اتخاذ مواقف، مما كشف عن اختلافات استراتيجية. المملكة المتحدة وأستراليا دعمتا الخط المتشدد للولايات المتحدة من خلال استبعاد التكنولوجيا الصينية من البنية التحتية الحيوية وتعزيز تعاونهما الدفاعي، بينما كانت كندا ونيوزيلندا أكثر حذرًا بسبب علاقاتهما الاقتصادية مع الصين.

هذا الانقسام يهدد الاستقرار الطويل الأمد لتحالف العيون الخمسية. إذا أصبح التحالف ساحة للصراعات السياسية، فقد يتم تقويض فعاليته. في الوقت نفسه، قد يضغط النفوذ العالمي المتزايد للصين على بعض الدول الأعضاء لإعادة تقييم أولوياتها الاستراتيجية. السؤال هو ما إذا كان التحالف يمكن أن يحافظ على تماسكه في عالم تصبح فيه الجغرافيا السياسية أكثر استقطابًا.

العيون الخمسية: تحالف قوي رغم التوترات الداخلية

يرى ريتشارد كيرباي، مؤلف كتاب “التاريخ السري للعيون الخمسية”، أن التفوق الأمني للولايات المتحدة يعتمد بشكل كبير على هذا التحالف. ويقول: “وعد ترامب الانتخابي بـ’السلام من خلال القوة‘ ينعكس بوضوح في العيون الخمسية، التي لا مثيل لها من حيث النطاق والجغرافيا والقدرة.” ومع تعزيز التعاون بين روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية، وفي ظل الضغوط الكبيرة التي تواجهها وكالات الاستخبارات الأمريكية، يصبح التعاون مع الحلفاء أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ويعتقد نيك تومسون، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، أن العيون الخمسية ستظل قائمة رغم التوترات الحالية. إلى جانب القيم المشتركة والثقة المتبادلة، يعتبر الأعضاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، التحالف عنصرًا أساسيًا في ضمان أمنهم القومي. ويقول تومسون: “مع الحروب المستمرة والتهديدات النووية المتعددة، سيستمر تحالف العيون الخمسية في تعزيز نفسه، وتوسيع نطاقه، والبحث عن حلول مبتكرة، حتى في ظل الخلافات التي قد تظهر بين الحين والآخر.”

من جهته، يرى أوكلي، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، أن جميع التحالفات الدولية، بما في ذلك العيون الخمسية، تعتمد أساسًا على العلاقة بين البيت الأبيض ومؤسسة الأمن الأمريكية. ويضيف: “لقد أضعف الخطاب حول ’الدولة العميقة‘ كلاً من المؤسسات وثقة الجمهور. وإذا استمرت هذه المعارضة، فقد تؤثر سلبًا على العيون الخمسية، مما يرسل رسائل خاطئة للأعداء والحلفاء على حد سواء.

السيناريوهات المستقبلية للعيون الخمسية

تواجه العيون الخمسية تحديات كبيرة، حيث يعرب الأعضاء والخبراء على حد سواء عن قلقهم بشأن مستقبل التحالف. فعدم ثقة ترامب في وكالات الاستخبارات وخططه لإعادة هيكلة جهاز الاستخبارات الأمريكي تثيران العديد من المخاوف. ومن المرجح أن تؤدي رؤيته للتحالف كأداة لاستغلال الولايات المتحدة إلى إلحاق الضرر بالتعاون على المدى الطويل.

مستقبل العيون الخمسية قد يتخذ عدة مسارات:

  1. استمرار التماسك – يواصل التحالف التكيف مع التغيرات ويظل متماسكًا في تعاونه القوي.
  2. الانقسام الجزئي – بعض الدول قد تسعى إلى شراكات استخباراتية جديدة، بينما يستمر التعاون الأساسي.
  3. إعادة الهيكلة الاستراتيجية – يشهد التحالف تغييرات، مع احتمال انضمام أعضاء جدد أو تعديل الاستراتيجية لمواجهة التهديدات العالمية.

مستقبل العيون الخمسية يتوقف على كيفية موازنة الدول الأعضاء بين مصالحها الوطنية وضرورة الحفاظ على التعاون في عالم جيوسياسي سريع التغير.

تقييم وقراءة مستقبلية

يواجه تحالف العيون الخمسية تحديات جديدة مع تغير العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا. على الرغم من أن الثقة والتماسك يعدان من أبرز نقاط قوته، فإن التحولات السياسية والجيوسياسية قد تهدد وحدته. قد يتطلب التعاون المستقبلي تكيفًا مع عالم متعدد الأقطاب لضمان توافق المصالح الأمنية مع الشراكات التاريخية والواقع العالمي المتغير.

مستقبل التحالف يعتمد على إمكانية استعادة الثقة أو ما إذا كانت التوترات الداخلية ستقوض التعاون. في حال لم تؤكد الولايات المتحدة التزامها، فإن العيون الخمسية قد تفقد تماسكها، مما قد يدفع الأعضاء للبحث عن شركاء آخرين، وبالتالي يضعف من مكانة التحالف على الساحة العالمية.

التغيرات التكنولوجية والجيوسياسية تتسارع بشكل ملحوظ، مما يفرض على العيون الخمسية تكييف آليات التعاون لحماية مصالحها. من أجل الحفاظ على أهميته، يجب أن يكون التحالف مرنًا، مما قد يستدعي انضمام أعضاء جدد أو تعزيز التعاون مع دول أخرى. وهذا أمر بالغ الأهمية لمواجهة التهديدات المتزايدة من روسيا والصين.

في الختام، يواجه تحالف العيون الخمسية مرحلة حاسمة ستحدد مستقبله، حيث ستلعب العوامل الداخلية والخارجية دورًا محوريًا في تطوره. إذا لم يتكيف الأعضاء مع المتغيرات، قد يفقد التحالف تماسكه وقدرته الاستراتيجية، مما يؤثر على دوره كفاعل استخباراتي عالمي.