بنغلاديش بعد انتفاضة 2024: بين صراع الهوية والتنافس الإقليمي واختبار الديمقراطية

7 فبراير 2026 | تحليلات

المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS

تحليل – بعد عام ونصف من الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بحكم شيخ حسينة، تقف بنغلاديش أمام انتخابات حاسمة ستحدد مستقبل نظامها السياسي بين إعادة بناء الديمقراطية واحتمال صعود قوى إسلامية، وسط تداعيات داخلية وانعكاسات إقليمية ودولية.

في الأسابيع الأخيرة، شهدت بنغلاديش حراكًا سياسيًا متسارعًا مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في 12 فبراير، والتي يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها لحظة فاصلة في تاريخ البلاد الحديث، واختبارًا حقيقيًا لمستقبل الديمقراطية في جنوب آسيا. وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة كونها الأولى منذ الإطاحة برئيسة الوزراء الأطول حكمًا، الشيخة حسينة، عقب احتجاجات طلابية واسعة اندلعت في صيف 2024، وعجزت السلطات عن احتوائها. وقد واجهت هذه الاحتجاجات قمعًا عنيفًا أسفر عن مقتل نحو 1400 شخص، ما عمّق حالة الغضب الشعبي وساهم في تسريع سقوط النظام.

ومع ذلك، فإن المسار الانتخابي لا يخلو من التوترات والشكوك. فقد تم منع حزب رابطة عوامي من المشاركة، بينما لا تزال التحقيقات جارية بشأن اتهامات بانتهاكات جسيمة ارتُكبت خلال سنوات حكم حسينة. كما صدر بحقها حكم غيابي بالإعدام في قضية أثارت جدلًا واسعًا، على خلفية مقتل طلاب خلال الاحتجاجات، وهي تقيم حاليًا في المنفى في الهند. وفي هذا السياق، تشكك حسينة في نزاهة العملية الانتخابية، وتدعو أنصارها إلى مقاطعتها، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويطرح تساؤلات حول مدى شمولية العملية الديمقراطية.

وقالت حسينة مؤخرًا في بيان جرى تشغيله في نادي الصحافة بالعاصمة الهندية نيودلهي: “تقف بنغلاديش اليوم على حافة الهاوية، إنها أمة ممزقة وتنزف.”

يعكس هذا التصريح حجم الانقسام العميق الذي تعيشه البلاد، حيث لا يقتصر الصراع على التنافس السياسي، بل يمتد ليشمل هوية الدولة ومستقبلها، بين قوى تسعى إلى إعادة بناء نظام ديمقراطي مدني، وأخرى قد تدفع نحو مسار أكثر ارتباطًا بالدين والسياسة. وفي ظل هذا التداخل بين العوامل الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية، تبدو بنغلاديش وكأنها تقف بالفعل عند مفترق طرق حاسم سيحدد ملامحها لسنوات قادمة.

صعود الإسلاميين وتوازنات النفوذ الإقليمي

يرى بعض المراقبين أن خروج شيخ حسينة من المشهد السياسي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تمكّن بنغلاديش من بناء نظام ديمقراطي أكثر توازنًا واستقرارًا. غير أن هذا التفاؤل يقابله قلق متزايد بشأن الاتجاه الذي قد تسلكه البلاد، خاصة في ظل بيئة سياسية هشة وتراجع واضح في التوازن بين القوى المدنية. فالانتخابات الحالية لا تُختبر فقط من حيث نزاهتها، بل من حيث قدرتها على إنتاج نظام سياسي شامل لا يُقصي أطرافًا رئيسية من المشهد.

في هذا السياق، تكتسب الانتخابات أبعادًا تتجاوز الإطار الداخلي، إذ تراقب القوى الإقليمية والدولية عن كثب مسار الأحداث في بلد يُعد من بين الأكثر كثافة سكانية في العالم، ويضم أكثر من 170 مليون نسمة، كما يُصنَّف رابع أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة. ويبرز هنا عامل مهم يتمثل في تنامي نفوذ التيارات الإسلامية، بما فيها الجماعات المتشددة، منذ الثورة، وهو ما يثير مخاوف من احتمال انزلاق البلاد نحو نموذج أكثر تشددًا، قد يتبنى تفسيرًا صارمًا للشريعة. وقد عززت هذه المخاوف تقارير عن هجمات استهدفت الأقليات الدينية، لا سيما الهندوس، ما يعكس هشاشة التعايش المجتمعي في المرحلة الانتقالية.

على الصعيد الجيوسياسي، تزداد أهمية بنغلاديش باعتبارها ساحة تنافس بين قوى كبرى، في مقدمتها الهند والصين. فالهند، التي ترتبط مع بنغلاديش بحدود تتجاوز 4000 كيلومتر، تنظر بقلق إلى أي تحول قد يهدد الاستقرار على حدودها الشرقية، وتسعى إلى وجود حكومة قادرة على ضبط الأمن الداخلي. في المقابل، عززت الصين حضورها الاقتصادي والاستراتيجي بشكل لافت، من خلال استثمارات ضخمة تُقدّر بنحو 400 مليار كرونة سويدية، تتركز في مشاريع البنية التحتية ضمن مبادرة “الحزام والطريق”. كما يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 200 مليار كرونة، وتُعد بكين الشريك الدفاعي الأول لدكا، ما يمنحها نفوذًا متزايدًا في تحديد ملامح المرحلة المقبلة.

الهوية البنغالية في مواجهة الهوية الإسلامية

يشهد المشهد السياسي في بنغلاديش صراعًا متصاعدًا بين الهوية القومية البنغالية والهوية الإسلامية، وهو صراع يتجاوز البعد الثقافي ليؤثر بشكل مباشر على توجهات الدولة وعلاقاتها الخارجية. فعلى الرغم من الروابط الاقتصادية القوية مع الهند، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري نحو 130 مليار كرونة سويدية وتميل كفته لصالح نيودلهي، إلى جانب استثمارات هندية تُقدّر بحوالي 80 مليار كرونة في قطاعات حيوية مثل البنية التحتية والاتصالات، فإن هذه العلاقة لم تعد تحظى بالإجماع ذاته داخل المجتمع البنغلاديشي.

تاريخيًا، تمتعت الهند بمكانة خاصة في الوعي البنغلاديشي، ليس فقط لقربها الجغرافي، بل لدورها الحاسم في دعم استقلال البلاد خلال حرب التحرير البنغلاديشية 1971، حين انفصلت بنغلاديش عن باكستان وتأسست كدولة ذات هوية قومية بنغالية واضحة. غير أن هذا الإرث التاريخي بدأ يتعرض في الآونة الأخيرة لمراجعة وانتقادات متزايدة، حيث يبرز خطاب جديد يشكك في مركزية الهوية البنغالية، ويدفع باتجاه تعزيز الانتماء الإسلامي كإطار بديل أو منافس.

وقد تزايدت حدة هذا التحول مع صعود قوى وتنظيمات إسلامية، مثل الجماعة الإسلامية، التي كانت تاريخيًا على خلاف مع مشروع الاستقلال واحتفظت بعلاقات مع باكستان. هذا التطور يثير قلقًا متزايدًا لدى صناع القرار في الهند، خاصة في ظل مؤشرات على تعميق باكستان لانخراطها في بنغلاديش، سواء على الصعيد العسكري أو الأمني أو السياسي. وفي ظل هذه التحولات، تبدو البلاد أمام مفترق طرق حقيقي، حيث يتداخل سؤال الهوية مع حسابات النفوذ الإقليمي، مما قد يعيد رسم موقع بنغلاديش في توازنات جنوب آسيا.

التنافس الباكستاني–الهندي وانعكاساته على بنغلاديش

يُسهم التقارب المتزايد بين باكستان وبنغلاديش في خلق منصة دبلوماسية جديدة قد تُستخدم لموازنة نفوذ الهند في المنطقة. فمن جهة، ترى دكا في هذا التقارب فرصة لتنويع علاقاتها الخارجية وعدم الاعتماد الكلي على نيودلهي، بينما تنظر إسلام آباد إليه كأداة استراتيجية لتعويض تقارب الهند مع حركة طالبان في أفغانستان، خاصة في ظل التوتر المتصاعد في العلاقات الباكستانية–الأفغانية. وفي هذا السياق، تقول المحللة الباكستانية عائشة صديقي من قسم دراسات الحرب في كلية كينغز في لندن: «إن بنغلاديش أقل قلقًا من باكستان وأكثر انشغالًا بالهند، وترى باكستان في ذلك فرصة لتطوير شراكة لمواجهة الهند».

هذا التحول يثير قلقًا متزايدًا لدى صناع القرار في الهند، التي كانت تركز تقليديًا على جبهتها الغربية مع باكستان، بينما ظل الشرق هادئًا نسبيًا خلال حكم شيخ حسينة. إلا أن التغيرات الأخيرة تفتح احتمال مواجهة مزدوجة، خاصة في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية في شمال شرق الهند، حيث تتقاطع الحدود مع كل من بنغلاديش وميانمار التي تشهد حربًا أهلية. وفي هذا الإطار، تحذر إندراني باغتشي، المديرة التنفيذية لمركز أنانتا سنتر في نيودلهي، من أن “ظهور “باكستان جديدة” في بنغلاديش سيكون أسوأ سيناريو من وجهة النظر الهندية”، في إشارة إلى احتمال تصاعد النفوذ الإسلامي والسياسي المعادي للهند.

في المقابل، تحاول الحكومة الانتقالية في بنغلاديش تقديم رؤية أكثر توازنًا لعلاقاتها الخارجية. ففي مقابلة مع هيئة بي بي سي، أكد توحيد حسين، المستشار للشؤون الخارجية ووزير الخارجية السابق، أن بلاده لا تسعى إلى الانحياز، قائلًا: “لسنا أعداءً لا للهند ولا لباكستان، وسنسعى إلى إقامة علاقات جيدة مع كلا البلدين بما يتماشى مع مصالحنا”. ومع ذلك، تبقى المخاوف قائمة في الأوساط الهندية من احتمال تشكّل محور إقليمي يضم الصين وباكستان وبنغلاديش، وهو سيناريو قد يعيد رسم التوازنات الجيوسياسية في جنوب آسيا ويزيد من تعقيد الوضع الأمني، خاصة في المناطق الحدودية الحساسة.

مصالح الولايات المتحدة وأوروبا في بنغلاديش

تزايد اهتمام الولايات المتحدة ببنغلاديش في السنوات الأخيرة، مدفوعًا بشكل أساسي بالرغبة في الحد من النفوذ المتصاعد لـ الصين في هذا البلد الاستراتيجي. فإلى جانب كونها سوقًا رئيسية لصادرات الملابس البنغلاديشية، تمثل واشنطن شريكًا دفاعيًا مهمًا لدكا، ما يمنح العلاقة بعدًا أمنيًا إلى جانب البعد الاقتصادي. وفي ظل التنافس المتزايد بين الصين والهند، تزداد هشاشة التوازنات داخل بنغلاديش، حيث تتحول البلاد إلى ساحة تنافس بين قوى دولية تسعى إلى تعزيز نفوذها في جنوب آسيا.

على الجانب الأوروبي، يبرز دور الاتحاد الأوروبي، ولا سيما السويد، التي تربطها ببنغلاديش علاقات طويلة في مجالي التجارة والتنمية. ويتابع الأوروبيون عن كثب مسار الانتخابات، حيث شدد مراقبو الاتحاد الأوروبي على ضرورة ضمان مشاركة شاملة لجميع الناخبين وإجراء العملية الانتخابية بشكل سلمي. وقد تم نشر بعثات مراقبة في جميع المقاطعات الـ64، بهدف التأكد من عدم تعرض الناخبين، خاصة من الأقليات، لأي ضغوط أو تهديدات، في خطوة تعكس القلق الأوروبي من استقرار العملية الديمقراطية.

اقتصاديًا، تلعب الشركات الأوروبية، وخاصة السويدية، دورًا مهمًا في السوق البنغلاديشية، إذ تنشط أكثر من 50 شركة سويدية في قطاعات مثل الملابس والتكنولوجيا، مستفيدة من النمو الصناعي السريع واتساع السوق المحلية. ولذلك، فإن استقرار بنغلاديش يُعد عاملًا حاسمًا لاستمرار هذه الاستثمارات. وفي هذا السياق، لا تقتصر الانتخابات على اختيار ممثلي الشعب فحسب، بل تشمل أيضًا استفتاءً على “ميثاق يوليو”، وهو اتفاق سياسي وقّعته 25 حزبًا ويهدف إلى إطلاق إصلاحات عميقة في مؤسسات الدولة، بما في ذلك النظام الانتخابي والقضاء، ما يمنح هذه المرحلة الانتقالية بعدًا مؤسسيًا حاسمًا لمستقبل البلاد.

توقعات بصعود الحزب الوطني البنغلاديشي وتعقيدات المشهد السياسي

تشير استطلاعات الرأي إلى تقدم الحزب الوطني البنغلاديشي (BNP) بقيادة طارق رحمن على منافسيه، ما يجعله الأوفر حظًا لتشكيل الحكومة المقبلة. ويعيد هذا السيناريو إلى الأذهان فترات سابقة، خاصة بين سبعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، حين شهدت العلاقات مع الهند توترات ملحوظة خلال فترات حكم الحزب، لا سيما عندما تحالف مع الجماعة الإسلامية بين عامي 2001 و2006. ورغم هذه الخلفية، يرى بعض صناع القرار في الهند أن غياب شيخ حسينة يفرض واقعًا جديدًا، إذ يقول الدبلوماسي الهندي السابق سرفجيت تشاكروبورتي: “في غياب الشيخة حسينة، يبدو الآن أن الحزب الوطني البنغلاديشي هو الخيار الأفضل للهند”.

مع ذلك، لا يبدو أن طريق الحزب نحو الحكم سيكون سهلًا أو منفردًا. إذ يرى المحلل السياسي الباكستاني مونيس أحمر أن الحزب لن يتمكن من تشكيل حكومة مستقرة دون الاعتماد على تحالفات مع قوى أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام دور محتمل للجماعة الإسلامية. ويضيف من هذا المنظور أن باكستان تأمل في أن يتمكن الحزب الوطني البنغلاديشي والجماعة الإسلامية من قيادة الحكومة المقبلة، في إشارة إلى تقاطع المصالح الإقليمية وتأثيرها في تشكيل التحالفات السياسية داخل البلاد.

من جهته، يقدم المعلق البنغلاديشي إم. همايون كبير قراءة أكثر حذرًا للمشهد، مشيرًا إلى أن نتائج الانتخابات قد لا تكون محسومة كما توحي التوقعات. ويقول:”قد تحقق الجماعة الإسلامية نتائج أفضل بكثير من السابق، ولا يمكن استبعاد احتمال أن يشكّل الحزبان معًا الحكومة”. مثل هذا السيناريو يُنظر إليه في الهند باعتباره الأسوأ، نظرًا لما قد يحمله من تداعيات أمنية وسياسية. ومع ذلك، وبغض النظر عن النتائج النهائية، يبقى واضحًا أن بنغلاديش ستظل في دائرة الاهتمام الدولي، حيث تُتابع القوى الإقليمية والعالمية تطوراتها عن كثب في مرحلة يُعاد فيها رسم توازنات جنوب آسيا.

آفاق المرحلة المقبلة

مع اقتراب موعد الانتخابات، تبدو بنغلاديش أمام سيناريوهات متعددة، يتوقف مسارها على قدرة العملية الانتخابية على إنتاج سلطة شرعية قادرة على احتواء الانقسامات الداخلية. فإذا نجحت الانتخابات في تحقيق قدر من التوافق والاستقرار، فقد تمثل بداية لمرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز المسار الديمقراطي، رغم التحديات العميقة.

في المقابل، يبقى خطر الانزلاق نحو مزيد من الاستقطاب قائمًا، خاصة في حال تصاعد نفوذ التيارات الإسلامية أو فشل القوى السياسية في تشكيل حكومة مستقرة. مثل هذا السيناريو قد يزيد من هشاشة الوضع الداخلي ويُعقّد علاقات بنغلاديش الإقليمية، خصوصًا مع الهند.

وبين هذين المسارين، ستظل بنغلاديش ساحة مفتوحة للتنافس الدولي، حيث ستسعى القوى الإقليمية والعالمية إلى التأثير في اتجاهها السياسي، ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة ليس فقط لمستقبل البلاد، بل لموازين القوى في جنوب آسيا بأكملها.