المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS
تحليل – غالبًا ما تُوصَف الحرب في السودان بأنها «الحرب المنسية»، لكن ما يجري في البلاد اليوم يتجاوز حدود نزاع داخلي طال أمده. ففي الوقت الذي تستحوذ فيه تطورات الشرق الأوسط على اهتمام العالم، تتفاقم في السودان واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية المعاصرة، وسط مجاعة آخذة في الاتساع، وملايين النازحين، وتقارير متزايدة توثق العنف الجنسي الممنهج والانتهاكات واسعة النطاق بحق المدنيين. وبينما تتراجع هذه المأساة على سلم الأولويات الدولية، تتزايد المؤشرات على أن التحولات الإقليمية قد تؤثر بصورة مباشرة في مسار الحرب ومستقبل السودان.
وفي مدينة طويلة ومحيطها بولاية شمال دارفور، يعيش نحو 700 ألف شخص في أحد أكبر مخيمات النزوح في العالم، في ظل نقص حاد في الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية. وقد فرّ معظمهم من مدينة الفاشر بعد حصار استمر ثمانية عشر شهرًا وانتهى بسيطرة قوات الدعم السريع عليها، لتتبع ذلك هجمات استهدفت المدنيين وموجة نزوح واسعة. وفي تقرير أصدرته الأمم المتحدة في فبراير/شباط، أفاد ناجون بوقوع فظائع «تحمل جميع سمات الإبادة الجماعية»، استهدفت خصوصًا مجموعتي الزغاوة والفور. ولم يكن طريق الفرار أكثر أمانًا من البقاء، إذ تحدث النازحون عن تعرضهم خلال رحلة النزوح للسلب والنهب والاعتداءات الجنسية والضرب والقتل، في مشهد يعكس حجم الكارثة التي يعيشها المدنيون مع استمرار الحرب.
دارفور بين اهتمام الأمس وصمت اليوم
ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها سكان غرب السودان للنزوح القسري والقتل والاغتصاب وإحراق القرى. فقد شهد إقليم دارفور قبل أكثر من عشرين عامًا مأساة مشابهة، عندما اندلع التمرد عام 2003 بقيادة حركات مسلحة تمثل مجموعات أفريقية غير عربية، احتجاجًا على سياسات الحكومة التي هيمنت عليها النخبة العربية، والتي اعتبرها المتمردون تمييزية بحق المجتمعات الأفريقية. كما ساهم التنافس المتزايد على الأراضي والمراعي ومصادر المياه في تأجيج الصراع، في ظل اختلاف أنماط المعيشة بين المزارعين المستقرين والرعاة الرحّل.
ولمواجهة التمرد، استعانت الحكومة السودانية بميليشيات الجنجويد التي شنت حملة واسعة من التطهير العرقي ضد السكان في دارفور. وأسفرت تلك الحملة، وفق التقديرات، عن مقتل نحو 200 ألف شخص وتشريد أكثر من مليوني آخرين. وفي ذلك الوقت، وصف منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، موكيش كابيلا، ما جرى في دارفور بأنه يضاهي الإبادة الجماعية في رواندا، معتبرًا الأزمة الإنسانية هناك الأسوأ في العالم. أثارت تلك التصريحات موجة واسعة من الاهتمام الدولي، إذ تصدرت أزمة دارفور جدول أعمال الأمم المتحدة، كما توحدت قرابة 200 منظمة دينية وسياسية وحقوقية ضمن ائتلاف «أنقذوا دارفور» (Save Darfur). وبعد سنوات، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في دارفور خلال الفترة 2003–2008. ورغم الإطاحة به في عام 2019، فإنه لم يُسلَّم حتى الآن إلى المحكمة في لاهاي.
مشهد يتكرر بصورة مقلقة
ورغم أن أطراف الصراع في السودان اليوم تختلف عن تلك التي واجهت بعضها قبل أكثر من عقدين، فإن طبيعة الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين تكاد تكون امتدادًا مباشرًا لما شهدته دارفور في مطلع الألفية. فالقتل الجماعي، والتهجير القسري، والعنف الجنسي، والتعذيب، لم تعد مجرد آثار جانبية للحرب، بل تحولت إلى أدوات تُستخدم لترهيب السكان وإخضاعهم. وتشير الوقائع الميدانية إلى أن أنماط العنف التي ارتبطت بحرب دارفور الأولى ما زالت تتكرر اليوم، وإن اختلفت الجهات المنفذة والسياقات العسكرية. وتؤكد منظمة أطباء بلا حدود هذا التقييم في تقريرها الصادر في 15 أبريل/نيسان 2026 بعنوان «هناك شيء أريد أن أخبرك به» (There Is Something I Want to Tell You)، والذي يوثق تعرض المدنيين لعمليات قتل واسعة النطاق، وعنف جنسي ممنهج، وتعذيب. ويشير التقرير إلى أن تصاعد المعارك وما يرافقه من موجات نزوح يؤديان إلى ارتفاع ملحوظ في جرائم العنف الجنسي، كما حدث عقب سقوط مدينة الفاشر وما تبعه من نزوح جماعي نحو منطقة طويلة.
وفي مخيم طويلة، حيث تقدم منظمة أطباء بلا حدود الرعاية الطبية والدعم للناجيات من العنف الجنسي، كشفت المنظمة أن 140 امرأة تلقين العلاج خلال الشهر الذي أعقب سقوط الفاشر، وكانت الغالبية الساحقة من الاعتداءات منسوبة إلى أفراد ينتمون إلى تشكيلات مسلحة. وقد سُجل النمط نفسه في وقت سابق من العام عقب الهجوم على مخيم زمزم للنازحين. وتخلص المنظمة إلى أن العنف الجنسي لم يعد مجرد نتيجة للحرب، بل أصبح جزءًا من استراتيجيتها، يُستخدم كسلاح لإرهاب المجتمعات المحلية وتدمير نسيجها الاجتماعي.
أزمة إنسانية تتفاقم… واستجابة دولية محدودة
ورغم التشابه الكبير بين الحرب الحالية والصراع الذي شهدته دارفور مطلع الألفية، فإن رد الفعل الدولي يبدو مختلفًا هذه المرة. فبينما حظيت أزمة دارفور قبل عقدين باهتمام سياسي وإعلامي واسع، تواجه الحرب الدائرة اليوم استجابة إنسانية وسياسية أقل بكثير من حجم الكارثة. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 13 مليون شخص أُجبروا على النزوح داخل السودان وخارجه، فيما يحتاج أكثر من 33 مليون سوداني إلى مساعدات إنسانية عاجلة، وهو ما يجعل الأزمة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
وتتفاقم الأوضاع مع انتشار المجاعة في عدد من المناطق، حيث تحولت ندرة الغذاء في بعض الولايات إلى مجاعة فعلية تهدد حياة السكان. وفي مايو/أيار 2026، أعلنت الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي (Sida) أن خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية في السودان لم تحصل سوى على 18% من التمويل المطلوب، وهو عجز يحد بشكل كبير من قدرة المنظمات الإنسانية على توفير الغذاء والدواء والمأوى لملايين المحتاجين. ولا تقتصر التحديات على نقص التمويل، بل تشمل أيضًا صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، إذ يتركز عدد كبير من المحتاجين داخل مناطق القتال. كما وُجهت اتهامات إلى طرفي النزاع، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، باستهداف قوافل الإغاثة وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، بل واستخدام التجويع وسيلةً للضغط العسكري وإخضاع السكان المدنيين، وهو ما يزيد من تعقيد جهود الإغاثة ويعمق المأساة الإنسانية.
وفي ظل هذا الواقع، برزت مبادرة «التكايا» بوصفها شريان حياة لملايين السودانيين. وتعتمد هذه المبادرة المجتمعية على تقليد سوداني قديم يقوم على إعداد وجبات مجانية للمحتاجين بجهود المتطوعين وتبرعات السكان. ومع اندلاع الحرب وانتشار الجوع، توسعت شبكات التكايا في الأحياء السكنية، مدعومة بمساهمات الأهالي وتحويلات السودانيين في الخارج. غير أن هذه المبادرات تواجه اليوم خطر الانهيار بسبب تراجع التمويل، إذ أُغلقت مئات المطابخ المجتمعية خلال الأشهر الأخيرة، بينما تكافح التكايا المتبقية لتلبية الاحتياجات المتزايدة بإمكانات محدودة. وتحذر منظمات الإغاثة من أن انهيار هذه الشبكة المجتمعية قد يحرم ملايين السودانيين من آخر مصدر منتظم للحصول على الغذاء.
الجنجويد… جذور الأزمة وليست نتائجها
ترى الباحثة والناشطة السودانية سماهر المبارك أن اختزال ما يجري في السودان في كونه مجرد أزمة إنسانية يطمس جوهر الصراع ويصرف الأنظار عن أسبابه الحقيقية. فبحسب رأيها، فإن التركيز على نقص الغذاء والدواء والمأوى، رغم أهميته، لا يجيب عن السؤال الأساسي: لماذا وصل السودان إلى هذه الكارثة؟ وتؤكد أن الأزمة الإنسانية ليست سببًا في حد ذاتها، بل هي نتيجة مباشرة للحرب والانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون.
وتقول المبارك إن وصف الوضع بأنه أزمة إنسانية فقط يوحي بأن الحل يكمن في زيادة المساعدات والإغاثة، بينما تكمن المشكلة الحقيقية، بحسب تعبيرها، في استمرار الهجمات التي تستهدف المدنيين. وتضيف أن معالجة الكارثة الإنسانية لا يمكن أن تقتصر على تقديم الغذاء والخدمات الطبية، بل تتطلب معالجة جذور الصراع ووقف الجهات المسؤولة عن إنتاج العنف، لأن استمرار الحرب سيؤدي إلى تجدد المأساة مهما تضاعفت المساعدات الإنسانية. ولهذا السبب، تفضّل المبارك استخدام اسم «الجنجويد» بدلًا من قوات الدعم السريع، معتبرة أن ذلك يعكس الاستمرارية التاريخية بين الطرفين. وتشير إلى أن قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، كان أحد أبرز قادة ميليشيات الجنجويد التي قاتلت في دارفور خلال العقد الأول من الألفية، وأن قوات الدعم السريع نشأت أساسًا من تلك الميليشيات التي أنشأها نظام الرئيس السابق عمر البشير، قبل أن يعيد تنظيمها لاحقًا ضمن قوة شبه عسكرية ذات هيكل رسمي.
وتستحضر المبارك شعارات الثورة السودانية عامي 2018–2019، حين كان المتظاهرون يرددون: «السلطة للشعب، والجيش إلى الثكنات، وحلّ الجنجويد». وترى أن هذا الشعار لا يزال يعبر عن مطلب أساسي لبناء دولة مدنية، مؤكدة أن الجيش، كما هو الحال في أي دولة، ينبغي أن يقتصر دوره على حماية البلاد، لا أن يكون فاعلًا سياسيًا أو جزءًا من مؤسسات الحكم. كما تشدد على أن الميليشيات المسلحة لا مكان لها في مستقبل السودان إذا أُريد للبلاد أن تنعم بالاستقرار والسلام.
تداعيات الحرب الإقليمية على السودان
لا تقتصر تداعيات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، على منطقة الشرق الأوسط، بل تمتد آثارها إلى السودان أيضًا، حيث قد تؤثر في مسار الحرب الدائرة منذ أكثر من ثلاث سنوات. فمن الناحية الاقتصادية، يهدد اضطراب الأسواق العالمية وارتفاع أسعار الأسمدة بتقليص الإنتاج الزراعي في السودان، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من أزمة غذائية حادة، وهو ما قد يزيد من خطر المجاعة خلال الموسم الزراعي المقبل. أما على الصعيد العسكري والسياسي، فقد تؤدي الحرب إلى إعادة رسم شبكة التحالفات الإقليمية المؤثرة في الصراع السوداني. فإيران استهدفت خلال المواجهة منشآت نفطية وأهدافًا مرتبطة بالولايات المتحدة في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تتهمها الحكومة السودانية وعدد من المنظمات الدولية بتقديم الدعم العسكري لقوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي باستمرار. ويرى مشروع ACLED، المتخصص في رصد النزاعات المسلحة، أن أي تراجع في قدرة الإمارات على مواصلة هذا الدعم قد ينعكس سلبًا على قوات الدعم السريع، التي تعتمد بدرجة كبيرة على حلفائها الخارجيين.
وفي المقابل، يحظى الجيش السوداني بدعم سياسي وإقليمي أوسع، من أبرز أطرافه المملكة العربية السعودية، إلى جانب شركاء آخرين. ولذلك، فإن أي تحول في موازين القوى الإقليمية قد يضعف أحد طرفي النزاع من دون أن يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الحرب. ووفقًا لتحليل ACLED، فإن إضعاف قوات الدعم السريع قد يدفع إلى مزيد من الانقسام داخل القوى المسلحة المناوئة للجيش، بدلًا من فتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة.
كما قد تمتد آثار هذه التحولات إلى جهود الوساطة الدولية. فقد تصاعدت الدعوات إلى استبعاد الإمارات من مجموعة الوساطة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، بسبب ما يُنظر إليه على أنه افتقارها إلى الحياد. وفي المقابل، برزت سلطنة عُمان بوصفها طرفًا دبلوماسيًا أكثر قبولًا لدى بعض الأطراف. وإذا خرجت الإمارات من مسار الوساطة، سواء طوعًا أو تحت ضغط دولي، فإن ذلك قد يشكل ضربة سياسية إضافية لقوات الدعم السريع، ويعيد تشكيل موازين القوى داخل الصراع السوداني.
إلى أين يتجه السودان؟
تكشف الحرب في السودان اليوم أن النزاعات الحديثة لم تعد تُحسم داخل حدود الدول وحدها، بل أصبحت تتأثر بصورة متزايدة بالتوازنات الإقليمية والدولية. فمصير الصراع لم يعد مرتبطًا فقط بقدرة الجيش أو قوات الدعم السريع على تحقيق مكاسب ميدانية، بل أيضًا بحجم الدعم الخارجي الذي يتلقاه كل طرف، وبالتحولات التي تشهدها المنطقة، ولا سيما في ظل التصعيد المستمر في الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، تبدو فرص التوصل إلى سلام مستدام محدودة ما دامت جذور الأزمة السياسية والعسكرية لم تُعالج. فحتى إذا تغيرت موازين القوى على الأرض، فإن ذلك لا يعني بالضرورة نهاية الحرب، بل قد يقود إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار أو إلى إعادة تشكل مراكز القوة داخل البلاد. وبينما تنشغل القوى الدولية بأزمات أخرى، يخشى كثير من المراقبين أن يظل السودان يدفع ثمن حرب طويلة تتجاوز حدودها الجغرافية، في وقت تتراجع فيه معاناة ملايين المدنيين على سلم الأولويات الدولية.