المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS
تحليل – تشهد أمريكا اللاتينية واحدة من أكثر لحظاتها اضطرابًا منذ نهاية الحرب الباردة، حيث أعاد الحدث المفصلي المتمثل في اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو رسم ملامح التوازنات الإقليمية بشكل جذري. هذا التطور لم يكن مجرد حادثة سياسية معزولة، بل شكّل نقطة تحول استراتيجية كشفت عن عودة قوية للنفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي، في سياق يبدو أقرب إلى إحياء عقيدة الهيمنة التقليدية بوسائل جديدة وأكثر مباشرة.
الهجوم الأمريكي الخاطف في الثالث من يناير لم يغيّر فقط معادلات السلطة داخل فنزويلا، بل أرسل أيضًا رسائل واضحة إلى دول المنطقة كافة، مفادها أن واشنطن مستعدة لاستخدام أدواتها الصلبة لإعادة تشكيل البيئة السياسية بما يتوافق مع مصالحها. وبينما تحاول بعض الحكومات التكيّف مع هذا الواقع الجديد، تجد أخرى نفسها أمام خيارات محدودة بين الانخراط أو المواجهة، في ظل تراجع واضح للأدوار التقليدية لقوى مثل روسيا والصين في هذه الساحة.
في هذا السياق، تبدو فنزويلا وكأنها تدخل مرحلة انتقالية غير واضحة المعالم، حيث تختلط مؤشرات الانفراج السياسي مع مظاهر النفوذ الخارجي المتزايد. أما كوبا، الحليف التاريخي لكاراكاس، فتقف على حافة أزمة وجودية غير مسبوقة، بعد أن فقدت أحد أهم مصادر دعمها الاقتصادي، ما يعكس الترابط العميق بين أزمات دول المنطقة.
إن ما يحدث اليوم لا يمكن قراءته فقط كتحول داخلي في فنزويلا أو أزمة اقتصادية في كوبا، بل هو جزء من إعادة تشكيل أوسع للنظام الإقليمي في أمريكا اللاتينية، حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية مع التحولات الاقتصادية والأيديولوجية، في لحظة قد تحدد مسار المنطقة لعقود قادمة.
تحولات داخلية مفاجئة في فنزويلا
في الداخل الفنزويلي، بدأت حالة الذعر التي أعقبت الأحداث الأولى تتلاشى تدريجيًا، لتحل محلها أجواء من التفاؤل الحذر. ويعود ذلك أساسًا إلى سلسلة من الإصلاحات غير المتوقعة التي نفذها تحالف غير تقليدي جمع بين إدارة دونالد ترامب وبعض رموز التيار التشافيزي، بقيادة ديلسي رودريغيز. هذا التحالف، الذي كان يبدو مستبعدًا قبل فترة قصيرة، يعكس براغماتية سياسية فرضتها الظروف الجديدة أكثر مما يعكس تقاربًا أيديولوجيًا حقيقيًا.
نهاية النموذج الاقتصادي التشافيزي
أحد أبرز مظاهر هذا التحول تمثل في الانقلاب شبه الكامل على السياسات الاقتصادية التي أرساها الرئيس الراحل هوغو تشافيز، والتي كانت تقوم على هيمنة الدولة على قطاع النفط باعتباره العمود الفقري للاقتصاد الوطني. فقد تم تفكيك هذا النموذج تدريجيًا لصالح توجه أكثر انفتاحًا على الاستثمارات الأجنبية، خاصة الأمريكية، في خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا لدى النخبة الحاكمة بضرورة إعادة دمج فنزويلا في الاقتصاد العالمي.
القانون الجديد الذي يشجع شركات النفط الأمريكية على العودة للاستثمار لا يمثل مجرد إصلاح اقتصادي، بل يحمل أبعادًا سياسية عميقة، إذ يمنح الولايات المتحدة نفوذًا مباشرًا — وإن كان مؤقتًا — على أحد أهم الموارد الاستراتيجية في البلاد. وهذا يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة السيادة الاقتصادية في المرحلة المقبلة، وحدود هذا الانفتاح.
إعادة تشكيل المشهد السياسي
بالتوازي مع التحولات الاقتصادية، يشهد المشهد السياسي الفنزويلي إعادة ترتيب ملحوظة، تتجلى في النقاش الدائر حول قانون عفو شامل يغطي “الجرائم السياسية” منذ عام 1999. هذا التوجه يعكس محاولة واضحة لفتح صفحة جديدة مع المعارضة، وتخفيف حدة الاستقطاب الذي ميّز الحياة السياسية في البلاد لعقود.
إطلاق سراح مئات السجناء وعودة بعض قادة المعارضة إلى العلن يشيران إلى تغير حقيقي في المناخ السياسي، لكنه تغير لا يزال هشًا ومحاطًا بالكثير من الغموض. فالسؤال الأساسي لا يتعلق فقط بإمكانية تحقيق مصالحة وطنية، بل بمدى استقلال هذا المسار عن التأثيرات الخارجية، وخاصة الأمريكية، التي تلعب دورًا متزايدًا في توجيه مسار الأحداث داخل فنزويلا.
غموض المرحلة الانتقالية وإشكالية المستقبل السياسي
في خضم هذه التحولات المتسارعة، يبرز سؤال جوهري يطغى على المشهد الفنزويلي: إلى أين تتجه البلاد فعليًا؟ فعندما قدّم خورخي رودريغيز، رئيس الجمعية الوطنية وشقيق ديلسي رودريغيز، مشروع قانون العفو، دعا إلى “التسامح المتبادل” ونبذ الانتقام، في خطاب بدا مختلفًا جذريًا عن ممارساته السابقة التي اتسمت بالتشدد تجاه المعارضة. هذا التحول في اللغة السياسية ليس مجرد تفصيل، بل يعكس تغيرًا أعمق في منطق السلطة نفسها، أو على الأقل محاولة لإعادة تقديمها بصورة أكثر تصالحية.
ومع ذلك، فإن هذا الخطاب التصالحي يتعايش مع واقع أكثر تعقيدًا. فبينما تؤكد ديلسي رودريغيز رفضها تلقي الإملاءات من واشنطن، تشير الوقائع إلى تنسيق مكثف مع الولايات المتحدة، خاصة منذ إعادة فتح السفارة الأمريكية في كاراكاس. هذا التناقض بين الخطاب السيادي والممارسة العملية يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي تتشكل تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية متشابكة.
وتعزز هذه الصورة الإشارات المتزايدة إلى أن التحركات الحالية تجري ضمن إطار أوسع صاغه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، يقوم على ثلاث مراحل: الاستقرار، ثم التعافي، وأخيرًا الانتقال. وبينما تبدو المرحلتان الأوليان قد دخلتا حيز التنفيذ، تبقى المرحلة الثالثة — أي “الانتقال” — الأكثر غموضًا وإثارة للجدل.
فهل يعني هذا الانتقال تحولًا ديمقراطيًا حقيقيًا؟ أم إعادة ترتيب للسلطة ضمن منظومة جديدة أكثر توافقًا مع المصالح الأمريكية؟ ومتى سيحدث هذا التحول، وكيف سيتم، ومن سيقوده؟ تبقى هذه الأسئلة مفتوحة، وتعكس حالة عدم اليقين التي تهيمن على مستقبل فنزويلا، بل وعلى توازنات المنطقة بأسرها.
تحولات إقليمية حادة وانعكاساتها على كوبا
تشير التطورات الأخيرة داخل مؤسسات الدولة في فنزويلا إلى تراجع ملحوظ في نفوذ نيكولاس مادورو، حتى وإن استمر بعض المسؤولين، مثل ديلسي رودريغيز، في المطالبة بالإفراج عنه بشكل أقرب إلى الخطاب الرمزي. لكن الأبرز هو اختفاؤه السريع من المشهد العام، ما يعكس تغيرًا فعليًا في موازين القوى داخل النظام.
هذا التحول لم يبقَ محصورًا داخل فنزويلا، بل امتد إلى مجمل المشهد السياسي في أمريكا اللاتينية. فقد خفَتت أصوات القادة الذين كانوا ينتقدون دونالد ترامب، بل إن بعضهم اتجه نحو إعادة بناء العلاقات معه. ويبرز هنا مثال رئيس كولومبيا غوستافو بيترو، الذي انتقل من موقع المواجهة إلى الانخراط في حوار مباشر مع واشنطن، في مؤشر على براغماتية سياسية جديدة تفرضها التحولات الجارية.
أما كوبا، فتبدو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة. فبعد توقف الدعم النفطي الفنزويلي، ومع تشديد الضغوط الأمريكية، دخلت البلاد في أزمة متفاقمة تقترب من حد الانهيار. وتتجلى آثار ذلك في الانقطاعات الحادة للكهرباء، ونقص الغذاء، وتدهور الخدمات الأساسية، إلى حد إغلاق مؤسسات حيوية كالمستشفيات والمدارس. وهكذا، تكشف هذه التطورات عن إعادة رسم عميقة للتوازنات الإقليمية، حيث تدفع كوبا الثمن الأثقل لتحولات لا تملك القدرة على التأثير فيها.
عودة منطق الأزمات وبحث كوبا عن مخرج
في ظل التدهور المتسارع، يعود الخطاب الرسمي في كوبا إلى مفردات مألوفة: التضحية، التقشف، والاعتماد على الذات. فقد دعا الرئيس ميغيل دياز-كانيل المواطنين إلى الصمود والابتكار، لكن هذه الدعوات لم تعد تحمل نفس الزخم، إذ ترتبط في الوعي الجماعي بسنوات طويلة من الأزمات المتكررة دون حلول جذرية.
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، حين واجهت كوبا ما عُرف بـ”الفترة الخاصة”، وهي أزمة اقتصادية خانقة دفعت فيدل كاسترو إلى طرح خطة “الخيار صفر” القائمة على الاكتفاء الذاتي القسري. ورغم قسوة تلك المرحلة، نجحت القيادة آنذاك في احتواء الانهيار عبر مزيج من المرونة السياسية، مثل السماح بالهجرة وتخفيف القيود على بعض القطاعات، إلى جانب فتح الباب أمام السياحة الغربية التي أصبحت لاحقًا أحد أهم مصادر الدخل.
غير أن التحول الحقيقي جاء مع صعود هوغو تشافيز في فنزويلا عام 1999، حيث نشأ تحالف استراتيجي أنقذ الاقتصاد الكوبي من الاختناق. فقد تبادلت هافانا خدماتها البشرية — من أطباء وخبراء — مقابل النفط الفنزويلي، في نموذج تعاون غير تقليدي مكّن كوبا من تجاوز أزمتها دون تغيير جوهري في بنيتها الاقتصادية.
أما اليوم، ومع انهيار هذا النموذج، تجد كوبا نفسها مجددًا أمام واقع أكثر قسوة، لكن دون نفس الأدوات التي استخدمتها سابقًا. فلا حليف نفطي بديل، ولا هامش سياسي واسع للمناورة، ما يجعل الأزمة الحالية أعمق وأكثر تعقيدًا، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة النظام على التكيف مع مرحلة قد تكون الأكثر حرجًا في تاريخه الحديث.
انهيار التحالف الفنزويلي–الكوبي وعودة منطق الهيمنة
لم يكن تفكك العلاقة بين فنزويلا وكوبا حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار طويل من التآكل بدأ قبل سنوات من رحيل هوغو تشافيز وفيدل كاسترو. فقد أدت أزمة فنزويلا الاقتصادية، الناتجة عن تراجع أسعار النفط وسوء الإدارة، إلى إضعاف قدرتها على الاستمرار في دعم كوبا، وهو الدعم الذي شكّل لعقود شريانًا حيويًا للاقتصاد الكوبي. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا التحالف من نموذج تضامن استراتيجي إلى عبء يصعب الحفاظ عليه.
غير أن نقطة التحول الحاسمة جاءت مع العملية العسكرية الأمريكية في يناير 2026، والتي لم تكن مجرد ضربة أمنية، بل رسالة سياسية واضحة أنهت فعليًا ما تبقى من هذا التحالف. فمقتل عناصر كوبية ضمن الدائرة المقربة من نيكولاس مادورو لم يرمز فقط إلى نهاية تعاون أمني، بل إلى سقوط الرابط الأيديولوجي والتاريخي الذي جمع البلدين منذ نهاية القرن العشرين.
في أعقاب ذلك، تجد كوبا نفسها في عزلة غير مسبوقة، دون حليف قادر على تعويض خسارة فنزويلا. وقد تفاقمت الأزمة الداخلية مع استمرار موجات الهجرة، خاصة بعد احتجاجات يوليو 2021، حيث غادر مئات الآلاف البلاد، ما يعكس تآكل الثقة في المستقبل. كما أن تضييق منافذ الهجرة، مثل فرض التأشيرات من قبل نيكاراغوا، يزيد من حدة الاختناق الاجتماعي والاقتصادي.
في هذا السياق، تتضح أيضًا الأبعاد الجيوسياسية الأوسع. فتصريحات دونالد ترامب حول كوبا، التي تجمع بين وصفها بالدولة الفاشلة واعتبارها تهديدًا أمنيًا، تعكس منطقًا استراتيجيًا يقوم على إعادة فرض الهيمنة الأمريكية في المنطقة. ويبدو أن ما يُعرف اليوم بـ”مبدأ دونرو” — بوصفه امتدادًا محدثًا لـمبدأ مونرو — يشكّل الإطار النظري لهذه السياسة، حيث تسعى واشنطن إلى إعادة ترتيب فضائها الإقليمي ومنع أي نفوذ منافس، حتى لو تطلب ذلك تدخلاً مباشرًا كما حدث في فنزويلا.
الحصار بين الواقع السياسي وسردية النظام
رغم احتفاظ كوبا بعلاقات عسكرية وتنسيق أمني مع قوى مثل روسيا وإيران والصين، فإنها، من منظور استراتيجي، لا تشكّل تهديدًا عسكريًا حقيقيًا للولايات المتحدة. فدورها في ميزان القوى الدولي ظل محدودًا، واقتصر في أفضل الأحوال على استضافة بعض البنى الاستخباراتية أو الرمزية. ومع ذلك، فإن موقعها الجغرافي القريب من السواحل الأمريكية يمنحها أهمية تتجاوز قدراتها الفعلية، ويجعلها دائمًا حاضرة في الحسابات الأمنية لواشنطن.
اليوم، يجد الكوبيون أنفسهم يواجهون بشكل ملموس ما كان يُعرف لعقود بـ”إل بلوكيو” — أي الحصار الأمريكي — الذي ظل جزءًا من الخطاب الرسمي منذ الثورة. غير أن المفارقة تكمن في أن هذا الحصار، رغم استمراره، لم يكن يومًا مطبقًا بالكامل، إذ شهد عبر السنوات استثناءات وثغرات سمحت بقدر من التبادل التجاري، بل وجعلت الولايات المتحدة نفسها من بين أهم الشركاء الاقتصاديين لكوبا في بعض الفترات.
من هنا، يبرز التناقض في السردية الرسمية التي لطالما حمّلت الحصار مسؤولية معظم الأزمات الداخلية، رغم اعترافات صادرة عن قادة النظام أنفسهم بوجود اختلالات بنيوية عميقة. فقد أقرّ فيدل كاسترو علنًا بأن “النموذج الكوبي لا يعمل”، كما واصل راؤول كاسترو انتقاداته الحادة لأداء الاقتصاد وآليات الحكم. أما الرئيس الحالي ميغيل دياز-كانيل، فقد رفع شعار “تحديث النموذج”، لكنه لم يتمكن حتى الآن من تحقيق اختراق حقيقي، ما يعكس حدود الإصلاح داخل بنية سياسية واقتصادية مغلقة.
في المقابل، تلوح في الأفق مؤشرات على انفتاح محتمل، حيث تعلن هافانا استعدادها للتفاوض مع الولايات المتحدة، بينما تشير تصريحات دونالد ترامب إلى أن قنوات الاتصال قد تكون مفتوحة بالفعل. وتكتسب هذه الإشارات أهمية خاصة في ظل الأنباء عن دور أليخاندرو كاسترو، الذي سبق أن لعب دورًا محوريًا في التقارب مع إدارة باراك أوباما. وإذا ما تكرّر هذا السيناريو، فإن ذلك لن يعكس فقط براغماتية سياسية، بل سيؤكد أيضًا استمرار هيمنة عائلة كاسترو على مفاصل القرار، حتى في لحظات التحول الكبرى، في مفارقة لافتة لنظام طالما قدّم نفسه كخصم تاريخي للولايات المتحدة.
خيارات كوبا المحدودة بين الإصلاح والمقايضة
في ظل الأزمة العميقة التي تواجهها كوبا، يبرز سؤال محوري: ما الذي يمكن أن تقدّمه هافانا للخروج من عزلتها وفتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة؟ فبعكس دول أخرى في المنطقة، لا تمتلك كوبا موارد طبيعية مغرية كالنّفط أو المعادن الاستراتيجية، كما أنها لم تعد تحتضن بنى عسكرية أجنبية يمكن أن تشكّل ورقة ضغط جيوسياسية كما كان الحال خلال أزمة الصواريخ عام 1962.
هذا الواقع يضع القيادة الكوبية أمام خيارات محدودة، تقوم أساسًا على تقديم تنازلات سياسية واقتصادية بدلًا من المقايضات التقليدية. فقد يشكّل إصدار عفو واسع عن المعتقلين السياسيين خطوة لبناء الثقة، كما أن إطلاق إصلاحات اقتصادية حقيقية — تتجاوز الإجراءات الشكلية — قد يفتح الباب أمام استثمارات خارجية ويخفف من حدة الأزمة الداخلية. كذلك، قد يصبح الانخراط في حوار مع المعارضة، ولو بشكل محدود، جزءًا من استراتيجية تهدف إلى تحسين صورة النظام دوليًا.
غير أن هذه السيناريوهات تبقى رهينة بطبيعة المقاربة الأمريكية نفسها. فسياسات دونالد ترامب لا تبدو مدفوعة باعتبارات ديمقراطية بقدر ما ترتبط بحسابات النفوذ والمصالح الاقتصادية. وفي هذا الإطار، قد لا يكون المطلوب تحولًا سياسيًا جذريًا، بل تقديم امتيازات عملية، مثل فتح السوق الكوبية أمام الشركات الأمريكية أو منح تراخيص استثمارية في قطاعات السياحة والبنية التحتية.
وعليه، قد تجد كوبا نفسها أمام معادلة معقدة: إما الانخراط في عملية إصلاح تدريجي قد يهدد توازناتها الداخلية، أو الاكتفاء بتقديم تنازلات اقتصادية محدودة تضمن بقاء النظام مع تخفيف الضغوط الخارجية. وفي كلا الحالتين، يبقى مستقبل البلاد معلقًا على قدرتها على المناورة ضمن هامش ضيق، في ظل تحولات إقليمية ودولية لا تملك السيطرة عليها بالكامل.
خاتمة
في المحصلة، لا يمكن فهم ما يجري في فنزويلا وكوبا بمعزل عن التحول الأوسع في الاستراتيجية الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية. فالأحداث الأخيرة تكشف عن عودة واضحة لمنطق إعادة تشكيل المجال الإقليمي وفق أولويات واشنطن، ليس فقط عبر الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية، بل أيضًا من خلال توظيف القوة الصلبة عند الضرورة. وبهذا المعنى، فإن “زلزال فنزويلا” لا يمثل مجرد أزمة سياسية عابرة، بل لحظة كاشفة تعيد رسم موازين القوى وتفرض واقعًا جديدًا على دول المنطقة.
ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة، بل إعادة تعريف لموقع أمريكا اللاتينية في النظام الدولي. ففي ظل تراجع أدوار قوى منافسة وصعود مقاربة أمريكية أكثر مباشرة، تجد دول المنطقة نفسها أمام مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين إعادة الاندماج ضمن منظومة النفوذ الأمريكي أو البحث عن مسارات استقلالية أكثر تعقيدًا. وبين هذين الخيارين، تتشكل ملامح خريطة إقليمية جديدة، قد تحدد مستقبل القارة لعقود قادمة.
