المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS
يشهد العالم في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تحولًا غير مسبوق في طبيعة الصراعات العسكرية، حيث لم تعد القوة العسكرية تُقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة التقليدية، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، والأنظمة الذاتية، والحوسبة المتقدمة. وقد أدى هذا التحول إلى بروز سباق عالمي بين القوى الكبرى لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأمن الدولي، وقوانين الحرب، ومستوى السيطرة البشرية على استخدام القوة.
أظهرت الحروب الحديثة، ولا سيما في أوكرانيا وغزة، إلى جانب التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية مستقبلية، بل أصبح عنصرًا عمليًا يؤثر في جمع المعلومات الاستخباراتية، وتحديد الأهداف، وإدارة العمليات العسكرية، والدفاع الإلكتروني، واتخاذ القرار في ساحات القتال. وفي المقابل، يثير هذا التطور مخاوف متزايدة بشأن المسؤولية القانونية، واحتمال وقوع أخطاء كارثية، وإمكانية تصعيد النزاعات بسرعة تفوق قدرة البشر على احتوائها.
الذكاء الاصطناعي وتغير مفهوم القوة العسكرية
شهد التاريخ العسكري عدة ثورات تقنية غيّرت طبيعة الحروب وموازين القوى الدولية، بدءًا من اختراع البارود، مرورًا بالطائرات والأسلحة النووية، وصولًا إلى الثورة الرقمية الحالية. ويرى عدد متزايد من الباحثين والخبراء العسكريين أن الذكاء الاصطناعي يمثل المرحلة التالية في تطور الحروب، نظرًا لما يوفره من قدرات غير مسبوقة في تحليل البيانات، وتسريع اتخاذ القرار، وتشغيل الأنظمة العسكرية بصورة شبه مستقلة. وقد أصبح هذا التحول أكثر وضوحًا مع الارتفاع المستمر في الإنفاق العسكري العالمي، الذي بلغ نحو 2.718 تريليون دولار أمريكي خلال عام 2024، وهو أعلى مستوى يسجله العالم منذ بدء توثيق هذه البيانات، وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI). ويعكس هذا الارتفاع توجهًا عالميًا متزايدًا نحو الاستثمار في التقنيات العسكرية المتقدمة، وعلى رأسها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وعلى خلاف الأنظمة العسكرية التقليدية التي تعتمد بصورة أساسية على العنصر البشري، أصبحت الجيوش الحديثة توظف خوارزميات قادرة على معالجة ملايين البيانات القادمة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار المختلفة خلال ثوانٍ معدودة، واكتشاف الأنماط، والتنبؤ بالتحركات العسكرية، وتقديم توصيات تكتيكية تدعم القادة العسكريين في اتخاذ القرار. وتشير تقارير صادرة عن مؤسسات دولية متخصصة في الأمن ونزع السلاح إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا أساسيًا في مجالات القيادة والسيطرة، والاستخبارات، والاستطلاع، والأنظمة الذاتية، والحرب الإلكترونية، ولم يعد مجرد تقنية تجريبية أو مشروع مستقبلي.
ويشمل الذكاء الاصطناعي العسكري مجموعة واسعة من التطبيقات، من أبرزها:
- تحليل الصور القادمة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة.
- اكتشاف التحركات العسكرية المعادية بصورة آلية.
- دعم عمليات الاستخبارات وتحليل البيانات الضخمة.
- أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي الذكية.
- الطائرات والسفن والمركبات غير المأهولة.
- الحرب السيبرانية والهجمات الإلكترونية.
- أنظمة القيادة والسيطرة المدعومة بالخوارزميات.
وتسعى الجيوش إلى توظيف هذه التقنيات بهدف زيادة سرعة اتخاذ القرار، وتقليل الخسائر البشرية، ورفع دقة العمليات العسكرية، وتحسين القدرة على الاستجابة للتهديدات في الزمن الحقيقي. إلا أن هذا الاعتماد المتزايد على الخوارزميات يثير تحديات قانونية وأخلاقية متزايدة، من بينها احتمال وقوع أخطاء تقنية أو تحيزات في البيانات قد تؤدي إلى تحديد أهداف بصورة غير دقيقة أو إلى تصعيد غير مقصود للنزاعات المسلحة، وهو ما دفع الأمم المتحدة وعددًا من المنظمات الدولية إلى المطالبة بوضع قواعد تنظّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري.
الولايات المتحدة وسباق الهيمنة في الذكاء الاصطناعي العسكري
تُعد الولايات المتحدة اليوم الدولة الأكثر تقدمًا في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن منظومتها العسكرية، إذ تنظر إلى هذه التكنولوجيا بوصفها عنصرًا أساسيًا للحفاظ على تفوقها العسكري والاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين. ومنذ عدة سنوات، خصصت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) مليارات الدولارات لتطوير أنظمة تعتمد على التعلم الآلي، وتحليل البيانات الضخمة، والأنظمة الذاتية، بالتعاون مع كبرى شركات التكنولوجيا والمؤسسات البحثية. وتشير بيانات وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن قيمة العقود المرتبطة بالذكاء الاصطناعي العسكري شهدت نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، في إطار تحديث القدرات العسكرية وتعزيز سرعة الاستجابة للتهديدات المستقبلية.
وفي عام 2025 أعلن البنتاغون عن توسيع شراكاته مع عدد من شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة، من بينها OpenAI وGoogle وMicrosoft وOracle وNVIDIA وAnthropic، بهدف تسريع دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات القيادة والسيطرة، وتحليل المعلومات الاستخباراتية، ودعم اتخاذ القرار، والأنظمة العسكرية الذاتية. ويعكس هذا التوجه قناعة متزايدة لدى صناع القرار الأمريكي بأن التفوق في الذكاء الاصطناعي سيصبح أحد أهم عناصر القوة العسكرية خلال العقود المقبلة.
ويهدف هذا الاستثمار إلى الحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي في مواجهة المنافسين الاستراتيجيين، وعلى رأسهم الصين وروسيا، اللتين تعملان بدورهما على توسيع قدراتهما في هذا المجال. ولم يعد التنافس بين القوى الكبرى يقتصر على امتلاك الأسلحة التقليدية أو النووية، بل أصبح يشمل السيطرة على البيانات الضخمة، وأشباه الموصلات المتقدمة، والبنية التحتية للحوسبة فائقة الأداء، والخوارزميات القادرة على معالجة كميات هائلة من المعلومات في زمن قياسي. ويرى العديد من الباحثين أن هذه العناصر أصبحت تمثل الركائز الأساسية للقوة العسكرية في العصر الرقمي.
وفي هذا السياق، تؤكد تقارير صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) ومؤسسة RAND أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة للقادة العسكريين، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة صياغة العقيدة العسكرية، من خلال تسريع دورة اتخاذ القرار، وتحسين دقة الاستهداف، وتعزيز القدرة على دمج المعلومات الواردة من مختلف ساحات العمليات. كما تشير هذه الدراسات إلى أن الدولة التي تمتلك منظومة متقدمة للذكاء الاصطناعي العسكري ستكون أكثر قدرة على إدارة الحروب المستقبلية وتحقيق ميزة استراتيجية على خصومها.
ومع ذلك، يثير هذا التوجه انتقادات متزايدة من خبراء القانون الدولي والمنظمات الحقوقية، الذين يحذرون من أن التوسع في الاعتماد على الأنظمة الذكية قد يسبق وضع الأطر القانونية والأخلاقية المنظمة لاستخدامها. ويزداد هذا القلق مع تنامي دور شركات التكنولوجيا الخاصة في تطوير القدرات العسكرية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول حدود المسؤولية القانونية، وشفافية الخوارزميات، ومستوى الرقابة البشرية على القرارات المرتبطة باستخدام القوة المسلحة.
الحرب في غزة والذكاء الاصطناعي
شكّلت الحرب في غزة إحدى أبرز الحالات التي سلطت الضوء على الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية الحديثة. فقد أشارت تقارير وتحليلات دولية إلى استخدام الجيش الإسرائيلي أنظمة ذكاء اصطناعي مثل «هابسورا» (Habsora أو The Gospel) و«لافندر» (Lavender)، والتي تُستخدم في تحليل كميات كبيرة من البيانات، ودمج المعلومات الاستخباراتية، والمساعدة في تحديد الأهداف وتسريع عملية اتخاذ القرار العسكري. وقد أثار استخدام هذه الأنظمة نقاشًا واسعًا حول حدود الاعتماد على الخوارزميات في الحروب المعاصرة.
ويرى مؤيدو هذه التقنيات أنها تسهم في رفع كفاءة العمليات العسكرية من خلال تسريع تحليل البيانات، وتحسين دقة الاستهداف، وتقليل الزمن اللازم لاتخاذ القرار. وفي المقابل، يحذر منتقدون من أن الاعتماد المتزايد على الخوارزميات قد يؤدي إلى أخطاء في تحديد الأهداف، خاصة في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان المدنيين، الأمر الذي يزيد من المخاطر الإنسانية أثناء النزاعات المسلحة.
ومن منظور القانون الدولي الإنساني، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعفي أي طرف من مسؤولياته القانونية. إذ تبقى مبادئ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب في استخدام القوة، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين، واجبة التطبيق بغض النظر عن مستوى تطور التكنولوجيا المستخدمة. كما تؤكد الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر أن المسؤولية القانونية عن استخدام القوة تبقى على عاتق الإنسان والدولة، وليس على الخوارزميات.
وقد أعادت الحرب في غزة إحياء النقاش الدولي حول مفهوم «السيطرة البشرية الهادفة» (Meaningful Human Control)، الذي يؤكد ضرورة أن يبقى الإنسان صاحب القرار النهائي في استخدام القوة العسكرية. ويُعد هذا النقاش من أبرز التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على مستقبل الحروب، إذ لم يعد الجدل يقتصر على الكفاءة العسكرية، بل امتد ليشمل القضايا القانونية والأخلاقية ومستقبل النظام الدولي.
أوكرانيا… مختبر للحرب الرقمية
تُعد الحرب في أوكرانيا مثالًا بارزًا على التحول نحو الحروب الرقمية، حتى إن العديد من الباحثين وصفوها بأنها «مختبر للحرب المستقبلية». فمنذ اندلاع الحرب عام 2022، أصبحت الطائرات المسيّرة، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة عناصر أساسية في إدارة العمليات العسكرية. كما أسهمت منصات رقمية أوكرانية، مثل Delta وBrave1، في دمج المعلومات الاستخباراتية وتوفير صورة ميدانية أكثر دقة للقوات العسكرية.
وتُستخدم الخوارزميات لتحليل صور الأقمار الصناعية، وتتبع تحركات القوات، ورصد المعدات العسكرية، ودعم اتخاذ القرار الميداني في وقت قصير. كما لعبت الأقمار الصناعية التجارية، والطائرات المسيّرة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي دورًا مهمًا في تحسين الاستطلاع العسكري، إلى جانب استخدامها في الحرب السيبرانية، ومواجهة الهجمات الإلكترونية، وجمع المعلومات من المصادر المفتوحة (Open Source Intelligence – OSINT).
ويرى عدد من الخبراء أن الحرب في أوكرانيا أظهرت أن التفوق العسكري لم يعد يعتمد فقط على حجم القوات أو نوعية الأسلحة، بل أيضًا على القدرة على جمع المعلومات وتحليلها بسرعة، ودمج البيانات الواردة من مصادر متعددة، واتخاذ القرارات في الزمن الحقيقي. وقد دفع ذلك العديد من الدول إلى زيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية باعتبارها جزءًا أساسيًا من قدراتها الدفاعية المستقبلية.
وتشير هذه التطورات إلى أن الحروب المستقبلية لن تُحسم بالقوة النارية وحدها، بل أيضًا بسرعة معالجة المعلومات، ودقة التحليل، وكفاءة الأنظمة الذكية في دعم القرارات العسكرية. لذلك أصبحت أوكرانيا تمثل نموذجًا عمليًا يوضح كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل أساليب الحرب ويؤثر في موازين القوى العسكرية على المستوى الدولي.
إيران والشرق الأوسط… سباق تكنولوجي متسارع
تشهد منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة تنافسًا متزايدًا في مجالات الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والأنظمة الذكية، حيث تسعى دول المنطقة إلى دمج الذكاء الاصطناعي في استراتيجياتها الدفاعية والعسكرية. وتشير دراسات صادرة عن معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح (UNIDIR) إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد العوامل الرئيسة التي تؤثر في التوازنات الأمنية الإقليمية، مع تزايد الاستثمارات في الأنظمة الذاتية وتقنيات تحليل البيانات العسكرية.
وتبرز إيران بوصفها أحد أبرز الفاعلين الإقليميين في تطوير الطائرات المسيّرة والقدرات الإلكترونية، في حين تواصل إسرائيل الاستثمار في أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في مجالات الاستخبارات، والدفاع الجوي، وتحليل البيانات العسكرية. كما تعمل دول أخرى في المنطقة على توسيع استثماراتها في التقنيات الرقمية والتعاون مع شركات ودول تمتلك خبرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي، بهدف تعزيز جاهزيتها العسكرية ومواكبة التطور التكنولوجي. وتشير تحليلات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن انتشار التقنيات العسكرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبح أحد أبرز ملامح المنافسة الأمنية في الشرق الأوسط.
وأصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من مفهوم الردع العسكري، إذ لم يعد التفوق يعتمد على امتلاك الأسلحة المتطورة فحسب، بل أيضًا على القدرة على جمع المعلومات وتحليلها بسرعة، ودمج البيانات من مصادر متعددة، ودعم اتخاذ القرار في الوقت المناسب. ويرى خبراء الأمن أن الدولة التي تمتلك بنية تحتية رقمية متقدمة وخوارزميات أكثر كفاءة تستطيع تحقيق ميزة استراتيجية في إدارة العمليات العسكرية والاستجابة للتهديدات.
وتشير هذه التطورات إلى أن التنافس التكنولوجي في الشرق الأوسط مرشح للتوسع خلال السنوات المقبلة، مع استمرار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية. وفي المقابل، يحذر عدد من الباحثين والمنظمات الدولية من أن غياب الأطر القانونية والتنظيمية الدولية قد يزيد من احتمالات سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود، مما يجعل تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي العسكري أحد أبرز التحديات التي تواجه الأمن الإقليمي والدولي.
سباق عالمي يتجاوز ميدان المعركة
لم يعد التنافس في مجال الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على الجيوش، بل أصبح يشمل الاقتصاد، والصناعة، والتعليم، وأشباه الموصلات، والحوسبة المتقدمة، والبيانات الضخمة. وأصبحت هذه المجالات تمثل الأساس الذي تُبنى عليه القدرات العسكرية المستقبلية، إذ تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على توفر بنية تحتية متطورة تشمل مراكز البيانات، والرقائق الإلكترونية المتقدمة، والكوادر العلمية المتخصصة. وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أهم محركات التنافس الاقتصادي والتكنولوجي بين الدول الكبرى.
ولهذا السبب، تنظر الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه قضية ترتبط بالأمن القومي والتنافس الاستراتيجي، وليس مجرد أداة تقنية. ففي عام 2024 بلغ حجم الاستثمارات الخاصة في الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة نحو 109.1 مليار دولار، مقارنةً بنحو 9.3 مليارات دولار في الصين، وفقًا لتقرير AI Index الصادر عن جامعة ستانفورد، وهو ما يعكس حجم المنافسة العالمية في هذا المجال. كما تسعى هذه القوى إلى الاستثمار في الجامعات، ومراكز الأبحاث، وشركات التكنولوجيا، لضمان الريادة في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ولا يقتصر هذا السباق على تطوير البرمجيات والخوارزميات، بل يمتد أيضًا إلى السيطرة على سلاسل توريد أشباه الموصلات، والحوسبة فائقة الأداء، والقدرة على إنتاج الرقائق الإلكترونية المتقدمة، باعتبارها مكونات أساسية لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المدنية والعسكرية. ولهذا أصبحت المنافسة على هذه التقنيات جزءًا من التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، خاصة بين الولايات المتحدة والصين.
وفي المقابل، يحذر عدد من الباحثين من أن غياب قواعد دولية واضحة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، خاصة في المجال العسكري، قد يؤدي إلى زيادة التوترات الدولية وتسريع سباق التسلح التكنولوجي. ويرى خبراء الأمن أن تحقيق التوازن بين الابتكار التكنولوجي، والأمن القومي، والالتزام بالقانون الدولي سيظل أحد أبرز التحديات التي ستواجه النظام الدولي خلال العقود المقبلة.
التحديات القانونية والأخلاقية
رغم ما يوفره الذكاء الاصطناعي من مزايا عسكرية، فإن استخدامه في النزاعات المسلحة يثير إشكاليات قانونية وأخلاقية معقدة. فالقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، يقوم على مبدأ أن الإنسان هو المسؤول عن اتخاذ القرار باستخدام القوة، وعن الالتزام بمبادئ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب في استخدام القوة، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. ومع تزايد اعتماد الجيوش على أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات، وتحديد الأهداف، ودعم القرارات العسكرية، أصبحت مسألة المسؤولية القانونية أكثر تعقيدًا، مما دفع العديد من المنظمات الدولية إلى المطالبة بوضع أطر قانونية وتنظيمية أكثر وضوحًا لاستخدام هذه التقنيات.
وتتمثل أبرز التحديات في:
- المساءلة القانونية: من يتحمل المسؤولية إذا تسبب نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي في استهداف غير مشروع؟ هل تقع المسؤولية على القائد العسكري، أم المبرمج، أم الشركة المطورة، أم الدولة؟ ويؤكد خبراء القانون الدولي أن المسؤولية القانونية تبقى على عاتق الإنسان والدولة، حتى وإن شاركت الخوارزميات في دعم عملية اتخاذ القرار.
- الشفافية وقابلية التفسير: تعتمد بعض نماذج الذكاء الاصطناعي على خوارزميات معقدة يصعب تفسير آلية عملها، مما يحد من إمكانية مراجعة القرارات أو مساءلة المسؤولين عنها. ويُعد غياب الشفافية أحد أبرز التحديات أمام الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري.
- التحيز في البيانات: إذا كانت البيانات المستخدمة في تدريب النماذج غير مكتملة أو منحازة، فقد تؤدي إلى تصنيفات خاطئة أو تقديرات غير دقيقة للأهداف العسكرية، وهو ما قد يزيد من احتمال وقوع أخطاء في البيئات القتالية المعقدة.
- التصعيد غير المقصود: إن قدرة الأنظمة الذكية على معالجة البيانات واتخاذ التوصيات بسرعة كبيرة قد تسرّع وتيرة النزاعات، وتقلل من الوقت المتاح لصناع القرار السياسي والعسكري لتقييم الموقف واحتواء الأزمات، الأمر الذي يزيد من مخاطر التصعيد غير المقصود بين الدول.
ولهذا السبب، يطالب عدد متزايد من الدول والمنظمات الدولية بالإبقاء على مبدأ «السيطرة البشرية الهادفة» (Meaningful Human Control) في جميع القرارات المتعلقة باستخدام القوة المميتة، باعتباره عنصرًا أساسيًا لضمان الامتثال للقانون الدولي الإنساني. كما تتواصل داخل الأمم المتحدة المناقشات الرامية إلى وضع قواعد ومعايير تنظم الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي، إلا أن التوصل إلى اتفاق دولي ما يزال يواجه تحديات سياسية وتقنية بسبب اختلاف مواقف الدول بشأن مستقبل الأنظمة العسكرية الذاتية.
بعد اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا بشأن الذكاء الاصطناعي العسكري، تواصلت الجهود الدولية لدفع النقاش حول تنظيم استخدام هذه التكنولوجيا. وفي يونيو/حزيران 2026، عقد كل من مكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح (UNODA) ومعهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح (UNIDIR) اجتماعات في جنيف لبحث السبل الكفيلة بوضع أطر تنظّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وضمان توافقه مع قواعد القانون الدولي. وتعكس هذه المناقشات تنامي التوافق الدولي حول أهمية وضع ضوابط قانونية وأخلاقية لهذه التقنيات، رغم استمرار تباين مواقف الدول بشأن طبيعة الإطار التنظيمي المناسب وآليات تطبيقه.
مستقبل الحروب في عصر الذكاء الاصطناعي
تشير الاتجاهات الحالية إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الإنسان بالكامل في المستقبل المنظور، بل سيصبح شريكًا رئيسيًا في دعم القيادة العسكرية واتخاذ القرار. وتؤكد تقارير صادرة عن حلف شمال الأطلسي (NATO) ومعهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح (UNIDIR) أن الجيوش تتجه نحو توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات، ودمج المعلومات من مصادر متعددة، والتنبؤ بالتحركات العسكرية، وإدارة العمليات المعقدة، مع الإبقاء على دور الإنسان في القرارات الحساسة .
وفي المقابل، سيصبح التفوق العسكري في المستقبل مرتبطًا بعدة عوامل مترابطة، من أبرزها:
- امتلاك بنية تحتية متقدمة للحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، والاتصالات عالية السرعة.
- القدرة على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي موثوقة وآمنة وقابلة للتفسير.
- الاستثمار في أشباه الموصلات والقدرات الحاسوبية، إذ تشير تقديرات تقرير Stanford AI Index 2025 إلى استمرار ارتفاع الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي، مع تصدر الولايات المتحدة لهذا المجال من حيث حجم الاستثمار الخاص.
- تعزيز الأمن السيبراني لحماية الأنظمة العسكرية من الهجمات الإلكترونية ومحاولات الاختراق.
- تطوير أطر قانونية وأخلاقية تنظم الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي وتضمن الامتثال للقانون الدولي الإنساني.
وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي والابتكار، وهو ما يجعل الاستثمار في التعليم، والبحث العلمي، والبنية الرقمية جزءًا من القوة الوطنية الشاملة، وليس مجرد قضية تكنولوجية. ولذلك أصبح التنافس بين الدول يمتد إلى مجالات البيانات، والحوسبة المتقدمة، والرقائق الإلكترونية، والقدرة على استقطاب الكفاءات العلمية.
ومن المرجح أن ينتقل التنافس الدولي تدريجيًا من سباق التسلح التقليدي إلى سباق يعتمد على المعرفة والبيانات والخوارزميات، بحيث تصبح القدرة على إنتاج المعرفة وتحليلها، إلى جانب امتلاك البنية التكنولوجية المتقدمة، عنصرًا حاسمًا في موازين القوة الدولية. ويرى عدد من الباحثين أن الدولة التي تنجح في تحقيق توازن بين الابتكار، والأمن، والالتزام بالقانون الدولي ستكون الأكثر قدرة على الحفاظ على مكانتها في النظام الدولي خلال العقود المقبلة.
قراءة مستقبلية
أصبح الذكاء الاصطناعي العسكري أحد أهم العوامل التي تعيد تشكيل طبيعة الحروب والنظام الدولي في القرن الحادي والعشرين. وتشير التطورات المتسارعة إلى أن هذه التكنولوجيا لن تكون مجرد وسيلة لدعم العمليات العسكرية، بل ستؤدي دورًا متزايدًا في صياغة موازين القوى الدولية. ويرى عدد من الخبراء أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من المنافسة الجيوسياسية العالمية، إذ إن الدولة التي تمتلك منظومة متقدمة في هذا المجال ستكون أكثر قدرة على تحقيق التفوق في سرعة اتخاذ القرار، ودقة العمليات، وإدارة الحروب المستقبلية.
كما تشير الاتجاهات الحالية إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة للقادة العسكريين، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة صياغة العقيدة العسكرية، من خلال تسريع دورة اتخاذ القرار، وتحسين دقة الاستهداف، وتعزيز القدرة على دمج المعلومات الواردة من مختلف ساحات العمليات. وفي الوقت نفسه، أصبح الاستثمار في البيانات، وأشباه الموصلات، والحوسبة المتقدمة، والبحث العلمي عنصرًا أساسيًا في تعزيز القوة العسكرية والاقتصادية للدول.
وتُظهر التجارب الحديثة في غزة، وأوكرانيا، والشرق الأوسط أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر تأثيره على ميدان المعركة، بل امتد ليؤثر في صنع القرار السياسي، والاستقرار الإقليمي والدولي، وشكل المنافسة بين القوى الكبرى. ومن المتوقع أن ينتقل التنافس الدولي تدريجيًا من سباق التسلح التقليدي إلى سباق يعتمد على المعرفة، والابتكار، والخوارزميات، والقدرة على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر كفاءة وأمانًا.
وفي ضوء ذلك، فإن مستقبل الأمن الدولي لن يتحدد فقط بمدى تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل أيضًا بقدرة المجتمع الدولي على وضع قواعد قانونية وأخلاقية مشتركة تنظم استخدامها العسكري، وتضمن احترام القانون الدولي الإنساني، والحفاظ على السيطرة البشرية في القرارات المتعلقة باستخدام القوة. وسيظل تحقيق التوازن بين الابتكار التكنولوجي، والأمن، والمسؤولية القانونية أحد أبرز التحديات التي ستواجه المجتمع الدولي خلال العقود المقبلة.
التوصيات
في ضوء ما تناولته هذه الدراسة، يمكن تقديم عدد من التوصيات التي قد تسهم في تعزيز الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري:
- تعزيز التعاون الدولي من أجل التوصل إلى اتفاقيات وقواعد قانونية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة.
- الإبقاء على مبدأ “السيطرة البشرية الهادفة” (Meaningful Human Control) في جميع القرارات المتعلقة باستخدام القوة المميتة، بما يضمن بقاء المسؤولية القانونية على عاتق الإنسان.
- زيادة الاستثمار في البحث العلمي والتطوير لتصميم أنظمة ذكاء اصطناعي تتسم بالشفافية، وقابلية التفسير، والموثوقية، مع الحد من التحيز في البيانات.
- تعزيز الأمن السيبراني لحماية الأنظمة العسكرية والبنية التحتية الرقمية من الهجمات الإلكترونية ومحاولات الاختراق.
- تعزيز التعاون بين الحكومات، والجامعات، ومراكز الأبحاث، وشركات التكنولوجيا من أجل تطوير تطبيقات للذكاء الاصطناعي تراعي الجوانب القانونية، والأخلاقية، والأمنية، وتدعم الاستخدام المسؤول لهذه التكنولوجيا.
- دعم دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في تطوير معايير وآليات رقابية تضمن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن واحترام القانون الدولي الإنساني.
إن مستقبل الذكاء الاصطناعي العسكري لن يعتمد على مستوى التقدم التقني وحده، بل على قدرة الدول والمجتمع الدولي على توجيه هذه التكنولوجيا بما يخدم الأمن والاستقرار، ويحد من مخاطر النزاعات، ويحافظ على المبادئ الإنسانية التي يقوم عليها القانون الدولي. ومن ثم، فإن تحقيق التوازن بين الابتكار التكنولوجي، والمسؤولية القانونية، والتعاون الدولي سيظل عاملًا حاسمًا في ضمان أن تسهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تعزيز الأمن والاستقرار، بدلًا من أن تصبح مصدرًا لمزيد من الصراعات وعدم اليقين في النظام الدولي.
References
Center for Strategic and International Studies. (n.d.). Artificial intelligence and national security. https://www.csis.org/
Geneva Conventions of 1949 and the Additional Protocols of 1977. International Committee of the Red Cross. https://ihl-databases.icrc.org/
International Committee of the Red Cross. (2024). Autonomous weapon systems and international humanitarian law. https://www.icrc.org/
International Institute for Strategic Studies. (n.d.). Military artificial intelligence and regional security. https://www.iiss.org/
NATO. (2023). NATO Artificial Intelligence Strategy. https://www.nato.int/
OECD. (2024). OECD AI Principles and OECD AI Policy Observatory. https://oecd.ai/
RAND Corporation. (n.d.). Artificial intelligence and the future of warfare. https://www.rand.org/
SIPRI. (2025). Trends in World Military Expenditure 2024. Stockholm International Peace Research Institute. https://www.sipri.org/
Stanford University, Institute for Human-Centered Artificial Intelligence. (2025). AI Index Report 2025. https://hai.stanford.edu/ai-index
United Nations. (2024). Lethal Autonomous Weapons Systems (LAWS) and Artificial Intelligence in International Peace and Security. https://www.un.org/
United Nations Institute for Disarmament Research. (2024). Artificial Intelligence and International Security. https://unidir.org/
+972 Magazine & Local Call. (2024). Investigative reports on the use of Artificial Intelligence systems (Lavender and Habsora/The Gospel) in the Gaza conflict. https://www.972mag.com/