الحرب في الظل: من إيران إلى أفغانستان صراعات مترابطة

28 مارس 2026 | تحليلات, أمن دولي

المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS

تحليل – بعيدًا عن أضواء القصف والانفجارات في إيران، تتشكل ملامح تصعيد خطير شرقًا، حيث تعود أفغانستان – المنهكة أصلًا بعقود من الحروب – إلى واجهة الاضطرابات الإقليمية. في هذا المشهد المتوتر، أطلقت باكستان، التي تُعد من أكثر دول العالم تضررًا من الإرهاب، حملة عسكرية ضد جماعات مسلحة تتهمها باستخدام الأراضي الأفغانية قاعدةً لشن هجمات عبر الحدود. في الخلفية، تراقب القوى الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها الصين الحليفة لباكستان والهند الخصم التقليدي لها، هذه التطورات بحذر شديد. ويزداد القلق من احتمال تشكل حزام صراعات ممتد يربط بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا، بما يحمله ذلك من تداعيات جيوسياسية واسعة.

تصعيد متزامن وتداخل الأزمات

في 27 فبراير، أعلنت باكستان دخولها ما وصفته بـ”حرب مفتوحة” ضد أفغانستان، في تصعيد تزامن إلى حد كبير مع الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وهو ما يعكس تزايد الترابط بين بؤر التوتر الإقليمي. ويرى هنريك تشيتان أسبنغرين، رئيس برنامج آسيا في المعهد السويدي للشؤون الدولية، أن العمليات الباكستانية، رغم تبريرها باستهداف “البنية التحتية للإرهاب”، تجاوزت نطاقها التقليدي لتطال العاصمة كابول ومناطق مدنية، ما يشير إلى تحول نوعي من عمليات محدودة إلى صراع أوسع وأكثر تعقيدًا.

واعتمدت الحملة الباكستانية بشكل رئيسي على الغارات الجوية، وأسفرت، وفق تقارير متعددة، عن سقوط مئات الضحايا، بينهم مدنيون. وتؤكد إسلام آباد أن هذه العمليات تستهدف بالأساس جماعة “تحريك طالبان باكستان” (TTP)، التي تتهمها بتنفيذ هجمات انطلاقًا من الأراضي الأفغانية.

في المقابل، ترفض حكومة طالبان في كابول هذه الاتهامات، وتؤكد موقفها الرافض للاعتراف بالحدود الدولية مع باكستان، الأمر الذي يضفي على النزاع بعدًا سياديًا حساسًا ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.

من التحالف الاستراتيجي إلى العداء المسلح

لم تكن العلاقة بين باكستان وطالبان الأفغانية قائمة على العداء في بدايتها، بل تشكّلت في إطار تعاون وثيق، إذ دعمت الاستخبارات الباكستانية المجاهدين خلال الغزو السوفيتي لأفغانستان (1979–1989)، واستمر هذا الدعم بعد التدخل الأمريكي عام 2001.

إلا أن هذه العلاقة شهدت تحولًا تدريجيًا نحو التوتر والصراع، خاصة مع بروز تحريك طالبان باكستان (TTP)، التي أصبحت تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الداخلي الباكستاني. ووفقًا لتحليلات هنريك تشيتان أسبنغرين، ظل هذا الصراع لفترة طويلة محدود الحدة، قبل أن يتصاعد بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.

وقد ارتبطت الحركة بعدد من الهجمات العنيفة داخل باكستان، التي تصدرت قائمة الدول الأكثر تضررًا من الإرهاب عام 2025، مع تسجيل 1,139 قتيلًا، أي ما يقارب خُمس الضحايا عالميًا وفق مؤشر الإرهاب العالمي، رغم وجود جماعات مسلحة أخرى تنشط في البلاد.

في هذا الإطار، انتقلت العلاقة بين باكستان وطالبان الأفغانية—التي عادت إلى الحكم عام 2021 عقب الانسحاب الأمريكي—من مرحلة التعاون التاريخي إلى حالة من المواجهة المباشرة، نتيجة تصاعد التهديدات الأمنية وتباين المصالح عبر الحدود. ويرى هنريك تشيتان أسبنغرين أن هذا الصراع يعكس تداخلًا بين الأبعاد الدينية والإثنية، حيث تجمع تحريك طالبان باكستان (TTP) بين الخطاب الإسلامي والطموحات القومية البشتونية.

كما تشير دراسات إلى أن الحركة لا تمثل امتدادًا تنظيميًا لطالبان الأفغانية، بل كيانًا مستقلًا بأجندة خاصة، يسعى إلى تقويض الدولة الباكستانية، وفرض نظام ديني، وتعزيز الحكم الذاتي في المناطق ذات الغالبية البشتونية.

ويلعب العامل الإثني دورًا محوريًا في تأجيج الصراع، حيث يمتد البشتون – أكبر مجموعة عرقية في أفغانستان وأقلية كبيرة في باكستان – عبر الحدود بين البلدين. ويرى المحللون أن هذا الامتداد يعقّد مفهوم السيادة الوطنية، خاصة في ظل رفض طالبان الاعتراف بخط دوراند كحدود رسمية، وهو ما يغذي النزاعات الحدودية المستمرة.

الهند وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية

لم يعد الصراع بين باكستان وأفغانستان محصورًا في إطاره الثنائي، بل بات جزءًا من شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية المعقدة، حيث تبرز الهند كفاعل رئيسي في إعادة تشكيل موازين القوى في جنوب آسيا. ففي السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات بين نيودلهي وكابول تقاربًا تدريجيًا، رغم استمرار غياب الاعتراف الرسمي بحكومة طالبان، وهو تقارب يُفهم في سياق التنافس الاستراتيجي طويل الأمد بين الهند وباكستان.

هذا الانفتاح الهندي على كابول يعكس براغماتية سياسية متزايدة، إذ تسعى نيودلهي إلى الحفاظ على نفوذها في أفغانستان ومنع تحوّلها إلى عمق استراتيجي خالص لباكستان. وقد تُرجم هذا التوجه إلى خطوات ملموسة، مثل إعادة فتح القنوات الدبلوماسية ورفع مستوى الاتصالات السياسية، بما في ذلك اللقاء الذي جمع وزيري خارجية البلدين في نيودلهي خلال أكتوبر 2025. ورغم أن هذا التقارب لا يصل إلى حد الاعتراف الرسمي بطالبان، إلا أنه يعكس تحوّلًا مهمًا في مقاربة الهند للواقع الأفغاني.

في المقابل، تنظر إسلام آباد إلى هذا التقارب بعين الريبة، وتتهم الهند بدعم أطراف معادية لها داخل أفغانستان، وهو ما يعزز منطق “الحروب بالوكالة” الذي يطبع تاريخ التنافس بين البلدين. ويشير هنريك تشيتان أسبنغرين إلى أن باكستان باتت ترى في الحضور الهندي المتنامي في أفغانستان عاملًا إضافيًا في تعقيد المشهد الأمني، خاصة في ظل تصاعد التوترات على حدودها الغربية.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق الأوسع للعلاقات الهندية-الباكستانية، التي لا تزال تعاني من هشاشة مزمنة. فبعد التصعيد العسكري الكبير في مايو 2025، الذي أعقب هجومًا إرهابيًا في الجزء الهندي من كشمير، لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام رسمي بين الطرفين، بل اقتصر الوضع على وقف إطلاق نار غير مستقر. هذا الواقع يترك الباب مفتوحًا أمام احتمالات التصعيد، خاصة في ظل تراكم الأزمات وتداخلها.

في هذا الإطار، يكتسب الصراع الباكستاني-الأفغاني بعدًا إضافيًا، إذ لم يعد مجرد نزاع حدودي، بل أصبح جزءًا من معادلة ردع إقليمية أوسع تتداخل فيها حسابات الهند وباكستان. ويثير ذلك تساؤلات جدية حول إمكانية احتواء هذا التصعيد ومنع تحوّله إلى مواجهة إقليمية أوسع.

تاريخيًا، لعبت بعض الدول، مثل قطر، دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة، مستفيدة من سياستها الدبلوماسية النشطة وعلاقاتها المتوازنة. إلا أن انشغال الدوحة، إلى جانب قوى إقليمية أخرى، بتداعيات الصراعات المتفاقمة في الشرق الأوسط، يحدّ حاليًا من قدرتها على التدخل الفعّال في جنوب آسيا. وهو ما يشير إليه أسبنغرين باعتباره عاملًا إضافيًا يزيد من خطورة المرحلة، في ظل غياب قنوات وساطة نشطة قادرة على احتواء التصعيد.

بذلك، يتضح أن الأزمة لم تعد مجرد صراع بين دولتين، بل تحولت إلى عقدة جيوسياسية معقدة، تتقاطع فيها المصالح الإقليمية، وتعيد رسم خطوط التوازن في منطقة تمتد من الشرق الأوسط إلى جنوب آسيا.

الصين والبعد الجيوسياسي للصراع

في موازاة التحركات الهندية، تتعامل الصين مع التصعيد في المنطقة من زاوية مختلفة، تقوم على حماية شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية التي بنتها خلال العقدين الماضيين. فبالنسبة لبكين، لا يُختزل التوتر بين باكستان وأفغانستان في كونه نزاعًا حدوديًا، بل يُنظر إليه كاختبار لاستقرار البيئة الإقليمية التي تعتمد عليها مشاريعها الاستراتيجية.

ترتبط المصالح الصينية بشكل وثيق بباكستان، التي تُعد أحد أهم حلفائها الاستراتيجيين في المنطقة.  وفي هذا السياق، تشكّل مبادرة الحزام والطريق (BRI) الإطار الأوسع للحضور الصيني، حيث استثمرت بكين بشكل مكثف في مشاريع البنية التحتية والطاقة، ضمن ما يُعرف بالممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني. وتشير التقارير إلى أن هذا التعاون لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد ليشمل تنسيقًا أمنيًا ودفاعيًا يعكس عمق الشراكة بين الطرفين.

في المقابل، تسعى الصين إلى توسيع حضورها في أفغانستان، سواء عبر الاستثمار في قطاع التعدين أو من خلال الانخراط التدريجي في مشاريع البنية التحتية، في محاولة لدمجها ضمن شبكات الربط الإقليمي التي تقودها بكين. إلا أن هذا التوجه يظل محفوفًا بالمخاطر، في ظل البيئة الأمنية الهشة واستمرار التوترات بين كابول وإسلام آباد.

وفي هذا الإطار، يكتسب العامل الإثني بعدًا جيوسياسيًا بالغ الحساسية، خاصة فيما يتعلق بالأقلية البلوشية المنتشرة عبر الحدود بين إيران وباكستان. إذ يحذر هنريك تشيتان أسبنغرين من أن أي انهيار محتمل في إيران قد يؤدي إلى تنشيط النزعات الانفصالية لدى البلوش، وهو ما قد يفتح جبهة صراع جديدة تتقاطع مع التوترات القائمة أصلًا في باكستان وأفغانستان. وتزداد خطورة هذا السيناريو في ظل الاتهامات الباكستانية المستمرة للهند بدعم بعض الحركات الانفصالية، ما يعكس تداخل مسارات الصراع وتحوّلها إلى شبكة معقدة من المواجهات غير المباشرة.

على الرغم من محاولات بكين لعب دور مهدئ للتوتر، من خلال الدعوة إلى الحوار بين الأطراف المختلفة، إلا أن قدرتها على التأثير تظل محدودة في المرحلة الراهنة، في ظل تصاعد منطق التصعيد وتراجع فاعلية الوساطات الدولية. وهو ما يشير إلى أن الصين، رغم ثقلها الاقتصادي والسياسي، تجد نفسها أمام بيئة إقليمية متقلبة يصعب التحكم في مساراتها.

بذلك، لا يمكن فهم الدور الصيني بمعزل عن السياق الأوسع للصراع، إذ تسعى بكين إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية استثماراتها، ومنع انتشار عدم الاستقرار، وتجنب الانخراط المباشر في صراعات مفتوحة. غير أن تعقيد المشهد الإقليمي وتداخل الأزمات يجعل من هذا التوازن مهمة شديدة الحساسية، مع احتمالات متزايدة لانزلاق المنطقة نحو مزيد من التصعيد.

نحو منظومة صراعات مترابطة

في ضوء التطورات المتسارعة التي تشهدها كلٌّ من الشرق الأوسط وجنوب آسيا، لم يعد من الممكن التعامل مع النزاعات القائمة بوصفها أزمات منفصلة ذات سياقات محلية محدودة، بل باتت تشكّل ملامح منظومة مترابطة من الصراعات، تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والإثنية عبر نطاق جغرافي واسع. فالتصعيد في ساحة معينة—سواء في إيران أو أفغانستان أو على الحدود الباكستانية—لم يعد حدثًا معزولًا، بل أصبح جزءًا من سلسلة تفاعلات متشابكة تمتد آثارها إلى مناطق أخرى.

وفي هذا السياق، يشير هنريك تشيتان أسبنغرين إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تصاعد حدّة النزاعات، بل في تحوّلها إلى بنية متكاملة من الأزمات المتداخلة، حيث يؤدي أي انفجار أمني في نقطة معينة إلى إعادة إنتاج التوتر في نقاط أخرى، ضمن ما يمكن وصفه بـ”ديناميكية التصعيد المتبادل”. هذه الديناميكية تعكس درجة غير مسبوقة من الترابط بين بؤر التوتر الإقليمي، وتُضعف في الوقت ذاته من قدرة الفاعلين الدوليين على احتواء الأزمات ضمن حدود جغرافية أو سياسية ضيقة.

إن ما نشهده اليوم يتجاوز كونه موجة من التصعيدات المتفرقة، ليعبّر عن مرحلة إعادة تشكّل عميقة في خريطة الصراعات الإقليمية. ففي هذه المرحلة، تتقاطع العوامل المحلية—مثل الانقسامات الإثنية (كالعامل البشتوني والبلوشي) والتوجهات الأيديولوجية (الإسلام السياسي والحركات الجهادية)—مع تنافس دولي متصاعد بين قوى كبرى، على رأسها الهند والصين والولايات المتحدة. ويؤدي هذا التداخل إلى إنتاج بيئة صراعية مركّبة، تتراجع فيها الحدود الفاصلة بين “النزاع المحلي” و”التنافس الدولي”.

كما أن هذا التشابك يعيد إحياء أنماط من الصراع غير المباشر، أو ما يُعرف بـ”الحروب بالوكالة”، حيث تسعى القوى الإقليمية والدولية إلى تحقيق مصالحها عبر دعم أطراف محلية، بدلًا من الانخراط المباشر في المواجهة. ويُفاقم ذلك من تعقيد المشهد، إذ تصبح النزاعات أقل قابلية للحل عبر الأدوات التقليدية، مثل الوساطات الدبلوماسية أو اتفاقيات وقف إطلاق النار.

وعليه، فإن احتواء هذه الأزمات لم يعد مسألة إدارة صراع واحد أو حتى عدة صراعات متوازية، بل يتطلب فهمًا شاملًا لطبيعة الترابط البنيوي بينها. فغياب هذا الفهم قد يؤدي إلى سياسات جزئية تعالج الأعراض دون الجذور، مما يفتح المجال أمام استمرار دوّامات العنف وعدم الاستقرار.

في المحصلة، تتجه المنطقة نحو حالة من “عدم الاستقرار المترابط”، حيث تتداخل الأزمات وتغذي بعضها البعض، بما يزيد من احتمالات انزلاقها إلى نطاق أوسع من التصعيد الجيوسياسي، يمتد من الشرق الأوسط إلى عمق جنوب آسيا. وهو ما يطرح تحديات غير مسبوقة أمام الفاعلين الإقليميين والدوليين على حد سواء، ويجعل من إدارة هذه المرحلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الدولي على التعامل مع صراعات متعددة المستويات ومتداخلة الأبعاد

آفاق مستقبلية

تشير التطورات الراهنة إلى أن المنطقة تتجه نحو مزيد من التصعيد غير المباشر، حيث تتقاطع الأزمات من إيران إلى أفغانستان ضمن نمط “حرب في الظل” يتسم بترابط بؤر التوتر. ومع تعقّد العوامل المحلية والإقليمية، ودخول قوى كبرى مثل الهند والصين على خط الصراع، يتعزز منطق الحروب بالوكالة وتزداد هشاشة الاستقرار.

في ظل تراجع فاعلية الوساطات الدولية، يُرجّح أن تستمر هذه الديناميكيات في إنتاج حالة من “عدم الاستقرار المترابط”، بما يرفع من احتمالات اتساع رقعة الصراع. وعليه، فإن احتواء هذه المرحلة يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز معالجة الأزمات بشكل منفصل، نحو فهم بنيتها المتشابكة.