المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS
بعد ستة عشر عامًا في السلطة، فقد فيكتور أوربان مكانته كأحد أبرز الشخصيات المؤثرة في اليمين القومي والمحافظ على الساحة الدولية. وأسفرت نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في 12 أبريل 2026 عن هزيمة سياسية بارزة أمام منافسه بيتر ماجيار، في ما يمثل تحولًا نوعيًا في المشهد السياسي المجري، ونقطة انعطاف محتملة في توازنات اليمين الأوروبي.
على مدى أكثر من عقد، لعب أوربان دورًا محوريًا في إعادة تشكيل الخطاب السياسي لليمين في أوروبا. فقد ارتكز مشروعه السياسي على مزيج من القومية المحافظة، والتشكيك في الليبرالية الغربية، ومواجهة مؤسسات الاتحاد الأوروبي. كما تبنّى نموذج “الديمقراطية غير الليبرالية”، الذي سعى من خلاله إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتقليص استقلال المؤسسات، وتعزيز السلطة التنفيذية. وقد شكّل هذا النموذج مصدر إلهام لحركات وأحزاب يمينية في عدة دول أوروبية، وساهم في تطبيع خطاب سياسي أكثر تشددًا تجاه الهجرة والهوية.
وفي هذا السياق، غالبًا ما تم تقديم أوربان كمرجعية أيديولوجية لليمين القومي الأوروبي، على نحو يوازي التأثير الدولي الذي يمارسه فلاديمير بوتين، وإن اختلفت الأدوات والسياقات. فقد مثّل أوربان نموذجًا داخل الاتحاد الأوروبي يمكن من خلاله تحدي المنظومة الليبرالية من الداخل، وليس من خارجها.
تشير التحليلات إلى أن تراجع أوربان لا يرتبط بشكل رئيسي بتآكل خطابه الأيديولوجي، بل بعوامل داخلية متراكمة. فقد تصاعدت الانتقادات المرتبطة بالفساد، وضعف الشفافية، وتراجع جودة الخدمات العامة. كما لعبت الأوضاع الاقتصادية دورًا حاسمًا، حيث أدى ارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ النمو إلى تقويض صورة الاستقرار التي سعى إلى ترسيخها. وزادت حدة التوتر مع الاتحاد الأوروبي من الضغوط الاقتصادية، خاصة في ظل تجميد أموال مخصصة للمجر بسبب مخاوف تتعلق بسيادة القانون.
ورغم الدعم الدولي الذي تلقاه أوربان من شخصيات بارزة في اليمين العالمي، مثل دونالد ترامب وجي دي فانس، فإن هذا الدعم لم يترجم إلى مكاسب انتخابية. بل على العكس، يرى بعض المراقبين أن هذا الارتباط عزز من مخاوف شريحة من الناخبين بشأن الاتجاه السياسي للمجر، وربطها بمحاور دولية مثيرة للجدل.
لطالما اعتُبرت المجر نموذجًا ملهمًا لتيارات اليمين القومي، خصوصًا في ما يتعلق بسياسات الهجرة، والهندسة الديموغرافية، وتعزيز الهوية الوطنية. وقد انعكس هذا التأثير على شخصيات سياسية أوروبية، من بينها جيمي أوكيسون، الذي عبّر مرارًا عن إعجابه بالتجربة المجرية، رغم الانتقادات المتعلقة بتراجع المعايير الديمقراطية.
في المقابل، لا تشير التطورات في أوروبا إلى تراجع شامل لهذا التيار. ففي ألمانيا، يواصل حزب حزب البديل من أجل ألمانيا توسيع قاعدته الانتخابية، بما في ذلك في المناطق الغربية التي كانت تقليديًا أقل تقبّلًا له. كما يسعى الحزب إلى إعادة صياغة خطابه ليجذب فئات من الطبقة العاملة، مستفيدًا من التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما قد يعزز من حضوره في المرحلة المقبلة.
قراءة مستقبلية
يشير التحول السياسي في المجر إلى بداية مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل موازين القوى داخل اليمين الأوروبي، لكن دون أن يعني ذلك نهاية هذا التيار. فخسارة فيكتور أوربان تمثل ضربة رمزية وسياسية لنموذج “الديمقراطية غير الليبرالية” داخل الاتحاد الأوروبي، وتحدّ من جاذبيته كمرجع ناجح يمكن استنساخه.
على المستوى الدولي، قد يؤدي هذا التحول إلى إضعاف الزخم المعنوي والسياسي الذي كانت تستمده حركات اليمين المتطرف من التجربة المجرية، خاصة تلك التي سعت إلى تقديم أوربان كنموذج للحكم القوي القادر على تحدي المؤسسات الليبرالية. كما قد يدفع بعض هذه الحركات إلى إعادة تقييم استراتيجياتها، والانتقال من الخطاب الأيديولوجي الصدامي إلى مقاربات أكثر براغماتية تركز على القضايا الاقتصادية والاجتماعية.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هزيمة أوربان مؤشرًا قاطعًا على تراجع شامل للقوى القومية أو السلطوية في أوروبا. فاستمرار صعود أحزاب مماثلة في دول أخرى، مثل ألمانيا، يدل على أن هذا التيار لا يزال يمتلك قاعدة اجتماعية وسياسية معتبرة. وعليه، فإن ما نشهده قد يكون أقرب إلى مرحلة “إعادة تشكل” وليس انحسارًا.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن خسارة أوربان تعكس حدود النموذج السلطوي عندما يواجه ضغوطًا داخلية متزايدة، لكنها لا تعني بالضرورة دخول هذا التيار في حالة جمود. بل إن مستقبله سيظل مرتبطًا بقدرته على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وبمدى قدرة الأنظمة الديمقراطية على معالجة الأزمات التي تستغلها هذه الحركات لتعزيز نفوذها