المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS
تحليل – تتعرض الأمم المتحدة حالياً لهجمات من عدة جبهات. ففي الوقت الذي يتم فيه تجاهل المبادئ الأساسية للمنظمة من قبل كلٍ من روسيا والولايات المتحدة، يندر أن نجد من يدافع عن هذه المؤسسة الدولية. كما أن الرئيس دونالد ترامب قام بإنشاء كيان منافس لها. وبسبب الانخفاض الحاد أو انقطاع التمويل من الولايات المتحدة ودول أخرى، تواجه الأمم المتحدة خطر الانهيار المالي.
تُعدّ الأمم المتحدة منظمة فريدة تجمع معظم دول العالم تحت مظلة واحدة، وتمثل أبرز تجسيد للنظام الدولي متعدد الأطراف، حيث تسعى الدول من خلالها إلى معالجة القضايا المشتركة عبر قرارات جماعية. ولا توجد مؤسسة أخرى تحظى بمثل هذه الشرعية العالمية أو تسهم في إنتاجها بهذا الشكل.
تأسست الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية بهدف تحقيق ثلاث مهام رئيسية: منع تهديدات السلم، تعزيز العلاقات الودية بين الدول، والتعاون لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، إلى جانب دعم حقوق الإنسان. وبذلك تُعد إطاراً دولياً لإدارة النزاعات ومعالجة التحديات المشتركة.
تهديدات من ثلاث جهات
تمرّ الأمم المتحدة بمرحلة بالغة الصعوبة، إذ تواجه هجوماً متزايداً وتحديات معقدة تأتي من ثلاثة اتجاهات مختلفة في الوقت نفسه.
أول هذه التهديدات يتمثل في التراجع الواضح في احترام ميثاق الأمم المتحدة. فمبدأ حظر استخدام القوة بين الدول يُعدّ من الركائز الأساسية للنظام الدولي، ولا يُستثنى منه سوى حالتين محددتين: إما حق الدفاع عن النفس في حال التعرض لهجوم مباشر، أو صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يجيز اتخاذ تدابير قسرية وفقاً للفصل السابع من الميثاق. غير أن هذا الالتزام يشهد تآكلاً متزايداً، وهو ما يتجلى ليس فقط في وقوع هجمات صريحة تخالف هذه القواعد، بل أيضاً في ضعف ردود الفعل الدولية وغياب الإدانات الحازمة عند حدوث مثل هذه الانتهاكات.
ويُعدّ الهجوم الروسي الشامل على أوكرانيا عام 2022 المثال الأبرز على هذا التدهور، إذ أدى إلى إحداث تحول جذري في البيئة الأمنية الدولية، ولا سيما في أوروبا. كما أن تدخلات الولايات المتحدة في فنزويلا، إلى جانب الهجمات التي نفذتها بالتعاون مع إسرائيل ضد إيران — سواء خلال حرب الأيام الاثني عشر في صيف عام 2025 أو عبر العمليات العسكرية الأوسع نطاقاً في عام 2026 — تُعتبر أيضاً خرقاً لميثاق الأمم المتحدة، وهو ما أشار إليه، على سبيل المثال، وزير خارجية النرويج.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل وجود فروقات جوهرية بين هذه الحالات؛ فمن ناحية، قامت روسيا، وهي دولة ذات نظام سلطوي، بشن هجوم على أوكرانيا، وهي دولة ديمقراطية لم تكن تمثل تهديداً مباشراً لها. ومن ناحية أخرى، جاءت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، التي تُوصف بأنها نظام ثيوقراطي قمعي، لعب دوراً في زعزعة استقرار المنطقة من خلال دعم ميليشيات حليفة، وتطوير برنامج قد يفضي إلى امتلاك سلاح نووي، فضلاً عن ممارساته القمعية تجاه شعبه. كما أن فنزويلا في عهد الرئيس نيكولاس مادورو وُصفت بدورها بأنها تعاني من نظام استبدادي يتسم بالفساد والقمع.
سياسات ترامب خارج إطار القانون الدولي
هناك بالفعل أسباب قوية تدفع بعض الأطراف إلى تفضيل تغيير الأنظمة السياسية في كلٍّ من فنزويلا وإيران، خصوصًا في ظل ما يُنسب إلى هذه الأنظمة من انتهاكات لحقوق الإنسان أو ممارسات سلطوية. غير أن هذه الاعتبارات، على أهميتها، لا تمنح أي دولة حق تجاوز قواعد القانون الدولي.
فـميثاق الأمم المتحدة لا يميز بين الدول على أساس نظامها السياسي، بل يؤكد على مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، حتى وإن نصّ في الوقت نفسه على تعزيز حقوق الإنسان كأحد أهداف المنظمة. وبالتالي، فإن انتقاد نظامٍ ما لا يُعد مبررًا قانونيًا لاستخدام القوة العسكرية ضده.
صحيح أن هناك نقاشًا متزايدًا في الفكر القانوني والسياسي حول إمكانية تجاوز القيود التقليدية للقانون الدولي في حالات معينة، خصوصًا لحماية المدنيين من الإبادة أو الجرائم الجماعية، وهو ما يُعرف بمبدأ “مسؤولية الحماية” (R2P). لكن هذا المبدأ يبقى استثنائيًا ومقيدًا بشروط صارمة، ولم يكن أساسًا حقيقيًا للخطاب الأمريكي في تبرير عملياته العسكرية.
في الواقع، لم تبذل الولايات المتحدة في عهد الرئيس Donald Trump جهودًا جدية لإضفاء شرعية قانونية على تدخلاتها في فنزويلا أو إيران، سواء من خلال مجلس الأمن أو عبر تبني خطاب قائم على مسؤولية الحماية. بل على العكس، اتسم الخطاب السياسي الأمريكي بوضوح لافت في تجاهل القيود القانونية الدولية، حيث أشار ترامب صراحة إلى أنه لا يرى نفسه ملزمًا بهذه القواعد.
هذا التوجه يعكس تحولًا خطيرًا من نظام دولي قائم على القانون إلى نظام تحكمه موازين القوة. فوفقًا للعديد من الخبراء، فإن استخدام القوة العسكرية خارج إطار الدفاع عن النفس أو دون تفويض من مجلس الأمن يُعد خرقًا صريحًا لميثاق الأمم المتحدة .
كما أن ضعف ردود الفعل الدولية، أو اقتصارها على بيانات خجولة، يسهم في تقويض هيبة القانون الدولي. ففي مجلس الأمن، غالبًا ما يتم التركيز على أفعال دول أخرى – مثل إيران – بينما لا تُواجه التحركات الأمريكية بالإدانة نفسها، وهو ما يعكس ازدواجية واضحة في المعايير.
إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط الدول المستهدفة، بل يضرب أسس النظام الدولي ذاته، ويعيد إنتاج عالم تُفرض فيه الإرادة بالقوة بدلًا من القانون. وهذا ما حذرت منه الأمم المتحدة، معتبرة أن مثل هذه الأفعال تجعل العالم أقل أمانًا وتفتح الباب أمام مزيد من الفوضى الدولية
تراجع الإجماع الدولي إزاء الحرب الروسية
تشهد الأمم المتحدة تراجعًا ملحوظًا في مستوى الإجماع الدولي بشأن إدانة الحرب الروسية على أوكرانيا، وهو ما يعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي وموازين القوى السياسية. فعلى الرغم من أن قرارات الجمعية العامة تظل غير ملزمة قانونيًا، فإنها تُعدّ مرآة دقيقة لاتجاهات الشرعية الدولية ومواقف الدول من القضايا الكبرى.
ففي عام 2022، عبّر المجتمع الدولي عن موقف قوي نسبيًا، حيث صوّتت 141 دولة لصالح إدانة الغزو الروسي، مقابل خمس دول عارضت القرار و25 دولة امتنعت عن التصويت. وقد مثّل هذا التصويت آنذاك لحظة نادرة من التوافق الدولي حول رفض انتهاك سيادة الدول واستخدام القوة خارج إطار القانون الدولي.
غير أن هذا الإجماع بدأ يتآكل بمرور الوقت. ففي التصويت الذي أُجري في 24 فبراير 2026، تراجع عدد الدول المؤيدة إلى 107 فقط، بينما ارتفع عدد الدول المعارضة إلى 12، وازداد عدد الدول الممتنعة إلى 51 دولة، أي ما يزيد عن ربع أعضاء الجمعية العامة. ويعكس هذا التحول تزايد التردد الدولي، وربما أيضًا تراجع أولوية القضية الأوكرانية لدى عدد من الدول.
ولا يمكن فهم هذا التراجع بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع، إذ تتجه بعض الدول نحو تبني مواقف أكثر براغماتية أو حيادًا، مدفوعة بمصالح اقتصادية أو حسابات استراتيجية، أو نتيجة لتنامي الشعور بازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي. كما أن استمرار الحرب دون أفق واضح للحل ساهم في خلق حالة من الإرهاق السياسي والدبلوماسي على المستوى الدولي.
الأزمة المالية وتهديد الاستمرارية
إلى جانب التحديات السياسية، تواجه الأمم المتحدة أزمة مالية حادة تهدد قدرتها على أداء وظائفها الأساسية. ورغم أن المنظمة عانت سابقًا من أزمات تمويلية متكررة، فإن الوضع الراهن يبدو أكثر خطورة، نظرًا لتزامنه مع تصاعد التحديات الدولية وتعقّد الأزمات العالمية.
لقد أدى تراجع مساهمات الولايات المتحدة، خاصة خلال فترة إدارة Donald Trump، إلى إضعاف أحد أهم مصادر تمويل المنظمة. كما ساهم تأخر عدد من الدول الأخرى في دفع التزاماتها المالية، أو امتناعها عن ذلك، في تفاقم العجز المالي، مما انعكس سلبًا على قدرة الأمم المتحدة على تنفيذ مهامها في مجالات حفظ السلام والمساعدات الإنسانية والتنمية.
وفي هذا السياق، حذّرت Annalena Baerbock، رئيسة الجمعية العامة، من أن المنظمة باتت تواجه خطر الانهيار المالي، وهو تحذير يعكس حجم الأزمة التي لم تعد تقتصر على خلافات سياسية، بل أصبحت تمسّ البنية المؤسسية والوظيفية للنظام متعدد الأطراف.
صعود نظام دولي موازٍ
إلى جانب التحديات السياسية والمالية، تواجه الأمم المتحدة تهديدًا ثالثًا لا يقل خطورة، يتمثل في محاولات متزايدة لإضعاف دورها المركزي في حفظ السلم الدولي، بل واستبداله بأطر بديلة. ففي عام 2025، أطلقت إدارة Donald Trump سلسلة من المبادرات والوساطات الدولية خارج إطار الأمم المتحدة. ورغم أن قيام دول منفردة بأدوار وساطة ليس أمرًا جديدًا في العلاقات الدولية، بل قد يكون أحيانًا مفيدًا نظرًا لامتلاك بعض الدول قنوات خاصة مع أطراف النزاع، فإن هذه الجهود كانت تقليديًا تُستكمل ضمن إطار الأمم المتحدة، بما يمنحها شرعية دولية واستدامة مؤسسية.
غير أن ما يميز التوجه الأمريكي الحالي هو السعي الواضح لتجاوز هذا الإطار، بل إنشاء منظومة موازية ومنافسة له. فقد صرّح Marco Rubio خلال مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير بأن الأمم المتحدة فشلت في حل عدد من النزاعات الدولية، داعيًا إلى بلورة نظام عالمي جديد تقوده الولايات المتحدة. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة جوهرية، وهي أن عجز الأمم المتحدة في كثير من الأحيان لا يعود إلى قصور بنيوي فيها بقدر ما يرتبط بعدم استعداد القوى الكبرى لمنحها الدعم السياسي والتفويض اللازمين للتحرك الفعّال.
في هذا السياق، يمكن فهم المبادرة التي طُرحت تحت مسمى “مجلس السلام” أو ما يمكن تسميته بدقة أكبر “هيئة السلام”، وهي مبادرة تعكس تصورًا مختلفًا جذريًا لطبيعة الحوكمة الدولية. فهذه الهيئة لا تقوم على مبدأ التمثيل الجماعي للدول، كما هو الحال في الأمم المتحدة، بل تُدار وفق نموذج أقرب إلى مجلس إدارة، حيث تُتركز السلطة في يد قيادة محدودة، وعلى رأسها الرئيس الأمريكي نفسه.
وتختلف هذه البنية المقترحة بشكل جذري عن منظومة الأمم المتحدة، إذ تفتقر إلى مؤسسات أساسية مثل الجمعية العامة التي تمثل جميع الدول، أو الأمانة العامة التي تضطلع بالإدارة التنفيذية. وبدلًا من مجلس أمن تتخذ فيه القرارات بشكل جماعي — رغم كل ما يشوبه من اختلالات — تقوم هذه الهيئة على منطق مركزي يُعيد تعريف النظام الدولي باعتباره مجالًا لقيادة أحادية أو شبه أحادية.
إن هذا التوجه يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام الدولي: هل سيتمكن المجتمع الدولي، ولا سيما غالبية الدول التي لا تزال متمسكة بمبادئ التعددية، من إعادة التماسك دفاعًا عن الأمم المتحدة وقواعدها؟ أم أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تُستبدل فيها الشرعية القانونية الدولية بمنطق القوة والقيادة الأحادية؟ وفي ظل هذه التحولات، تبدو الأمم المتحدة اليوم في أضعف حالاتها، في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى.
الخاتمة
إن المشكلة لا تكمن فقط في سياسات دولة بعينها، بل في تآكل منظومة كاملة من القواعد التي وُضعت بعد الحرب العالمية الثانية لضمان السلم الدولي. وعندما تعلن قوة عظمى أنها غير مقيّدة بهذه القواعد، فإنها عمليًا تعطي إشارة لبقية الدول بأن القانون لم يعد مرجعًا ملزمًا، بل خيارًا انتقائيًا. وهذا ما يجعل مسألة احترام القانون الدولي اليوم ليست مجرد قضية قانونية، بل صراعًا على شكل النظام العالمي نفسه:
هل هو نظام قانوني قائم على القواعد؟ أم نظام واقعي تحكمه القوة والنفوذ؟