المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS
تشهد أوروبا تحوّلًا أمنيًا غير مسبوق منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، إذ باتت القناعة تتعزز داخل العواصم الأوروبية بأن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد خيارًا مضمونًا كما كان خلال العقود الماضية. فالتغيّرات السياسية داخل واشنطن، والتردد الأميركي المحتمل في الالتزام المطلق بالدفاع عن الحلفاء الأوروبيين، دفعت القارة إلى إعادة التفكير في قدرتها على حماية نفسها بشكل مستقل.
وترى تحليلات أوروبية متزايدة أن أوروبا قد لا تملك ترف انتظار سنوات طويلة حتى تصل إلى جاهزية عسكرية مثالية، خصوصًا في ظل المخاوف من أن تستغل موسكو فترة الانتقال الحالية لاختبار القدرات الأوروبية قبل اكتمال إعادة التسلح والتنظيم الدفاعي.
أزمة القوى البشرية في الجيوش الأوروبية
رغم الارتفاع الملحوظ في الإنفاق الدفاعي الأوروبي منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه القارة لا يقتصر على تحديث الأسلحة أو زيادة الميزانيات العسكرية، بل يتمثل بصورة أساسية في أزمة القوى البشرية والقدرة على التعبئة السريعة في حال اندلاع مواجهة واسعة النطاق. فالكثير من التقديرات العسكرية الأوروبية تشير إلى أن الجيوش الأوروبية، وخصوصًا في شمال أوروبا، تعاني من نقص واضح في أعداد الجنود والقوات الاحتياطية مقارنة بحجم التهديدات المحتملة.
وفي هذا السياق، بدأت تتعزز داخل أوروبا قناعة متزايدة بأن أي دعم أميركي مستقبلي يجب أن يُنظر إليه باعتباره عاملًا إضافيًا داعمًا، لا ركيزة أساسية مضمونة للدفاع الأوروبي، خاصة في ظل تصاعد الشكوك بشأن مدى التزام واشنطن طويل الأمد بأمن القارة وحلف شمال الأطلسي. وقد عبّر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك عن هذه المخاوف عندما حذّر، في تصريحات لصحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، من أن السؤال الأهم اليوم يتمثل في مدى استعداد الولايات المتحدة للوفاء الكامل بالتزاماتها الدفاعية تجاه حلفائها الأوروبيين، مشيرًا إلى احتمال أن تختبر روسيا تماسك الحلف خلال السنوات القليلة المقبلة.
وتُظهر النقاشات الأمنية الجارية داخل أوروبا أن أزمة القوى البشرية لا يمكن معالجتها بسرعة، حتى مع عودة العديد من الدول إلى نظام التجنيد الإجباري بصيغ مختلفة. فإعادة بناء الجيوش ورفع أعداد القوات يتطلبان سنوات طويلة من التدريب والتأهيل والبنية التنظيمية، خصوصًا في الدول التي بدأت من مستويات منخفضة بعد عقود من تقليص الجيوش عقب نهاية الحرب الباردة.
وتُعد فنلندا الاستثناء الأبرز داخل شمال أوروبا، إذ حافظت لعقود على نموذج تعبئة عسكرية واسع يعتمد على التجنيد الإجباري وقوة احتياطية ضخمة. وتشير التقديرات إلى أن عدد قوات الاحتياط الفنلندية قد يصل إلى أكثر من مليون عنصر بحلول عام 2031، بعد رفع سن الاحتياط إلى 65 عامًا، ما يمنح هلسنكي قدرة تعبئة تُعد من الأكبر أوروبيًا مقارنة بعدد السكان. كما تمتلك فنلندا قدرة سنوية على تدريب نحو 22 ألف مجند، وهو رقم يعكس استمرارية البنية الدفاعية التي لم تتفكك بعد الحرب الباردة.
في المقابل، لا تزال بقية الدول الإسكندنافية بعيدة عن هذا المستوى من الجاهزية البشرية، رغم إعادة العمل بالتجنيد الإجباري بدرجات متفاوتة. فالسويد، التي أعادت العمل بالتجنيد الإجباري الانتقائي والمحايد جندريًا عام 2017، لا تملك حاليًا سوى قدرة على تدريب نحو 8 آلاف مجند سنويًا، وهو رقم يبقى محدودًا مقارنة بالنموذج الفنلندي. كما أن إمكانات التعبئة في معظم الدول الإسكندنافية لا تزال أقل بكثير من 100 ألف عنصر، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة حول قدرة أوروبا الشمالية على الصمود في حرب استنزاف طويلة دون دعم أميركي مباشر.
أما ألمانيا، ورغم أن عدد سكانها يزيد بنحو خمسة عشر ضعفًا عن فنلندا، فلا تزال تسعى إلى رفع إجمالي قواتها، بما في ذلك الاحتياط، إلى نحو 460 ألف عنصر بحلول عام 2033، وهو ما يعكس حجم الفجوة التي تواجهها أكبر القوى الأوروبية في إعادة بناء قدراتها البشرية العسكرية. كما تُعد إستونيا حالة استثنائية أخرى في المنطقة، إذ تمتلك قدرة تعبئة تصل إلى نحو 20% من عدد السكان، وهي نسبة تقترب من النموذج الفنلندي وتعكس إدراكًا متقدمًا لطبيعة التهديد الروسي المتصاعد.
التكامل العسكري بديلاً عن التفوق العددي
في ظل محدودية الموارد البشرية وصعوبة توسيع الجيوش الأوروبية بسرعة، اتجهت دول الشمال الأوروبي إلى تعويض النقص العددي عبر تعميق التكامل العسكري الإقليمي بصورة غير مسبوقة. وقد برزت منطقة الشمال القطبي، الممتدة بين فنلندا والسويد والنرويج، كنموذج متقدم للتنسيق الدفاعي المشترك، حيث أصبحت القوات المسلحة للدول الثلاث أكثر اندماجًا على المستوى العملياتي والتخطيطي، خاصة في المناطق القريبة من الحدود الروسية.
وساهم انضمام فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي في تسريع هذا التحول، إذ فتح الباب أمام مستويات أوسع من التكامل العسكري داخل المنطقة الشمالية. وترى تحليلات أمنية أوروبية أن هذا التحول لا يرتبط فقط بتوسيع عضوية الناتو، بل أيضًا بمحاولة بناء قدرة ردع إقليمية أكثر استقلالية في ظل تزايد الشكوك الأوروبية تجاه استدامة الالتزام الأميركي طويل الأمد بأمن القارة.
ويُعد سلاح الجو أحد أبرز محركات هذا التكامل، حيث طورت الدول الإسكندنافية مفهومًا مشتركًا للعمليات الجوية، إلى جانب إنشاء “فرقة جوية شمالية” داخل مركز العمليات الجوية المشتركة التابع للناتو في مدينة بودو النرويجية عام 2025، بهدف رفع مستوى التنسيق والاستجابة السريعة في شمال أوروبا. وفي هذا السياق، أشار تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن “التكامل العملياتي بين القوات الجوية الإسكندنافية أصبح أحد أكثر نماذج التعاون العسكري تقدمًا داخل أوروبا بعد الحرب الباردة”.
كما عززت قوات الناتو البرية الجديدة في فنلندا، بقيادة سويدية ومساهمات من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا ودول الشمال، مستوى التكامل الميداني والتدريبات المشتركة بين الجيوش الأوروبية في المنطقة. ويرى المجلس الأطلسي (Atlantic Council) أن شمال أوروبا يتحول تدريجيًا إلى “منطقة دفاع مترابطة” تعتمد على سرعة التنسيق والجاهزية المشتركة بدلًا من الاعتماد على الجيوش الضخمة التقليدية.
أما في المجال البحري، فقد تعزز التعاون الدفاعي بين فنلندا والسويد في بحر البلطيق بصورة لافتة، في وقت وسعت فيه النرويج شراكاتها الاستراتيجية مع ألمانيا وبريطانيا، خصوصًا في مشاريع الغواصات والقدرات بعيدة المدى والتسليح البحري المشترك. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا داخل أوروبا الشمالية بأن التفوق العسكري في المرحلة المقبلة لن يعتمد فقط على الحجم العددي للجيوش، بل على سرعة التكامل والقدرة على العمل المشترك ضمن بنية دفاعية إقليمية مترابطة.
الدعم الأوروبي لأوكرانيا وإعادة رسم موازين القوة
أصبح الدعم الأوروبي لأوكرانيا أحد العوامل التي ساهمت في إعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ داخل القارة الأوروبية، حيث برزت دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق كأحد أكثر الأطراف الأوروبية اندفاعًا في دعم كييف عسكريًا وسياسيًا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022. ورغم محدودية حجمها السكاني والاقتصادي مقارنة بالقوى الأوروبية الكبرى، فإن هذه الدول تحولت إلى صوت متزايد التأثير داخل النقاشات الأوروبية المتعلقة بالأمن والدفاع، خصوصًا في ما يتعلق بتعزيز الردع الأوروبي وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة.
وتشير تقديرات أوروبية إلى أن الدنمارك والسويد والنرويج تُعد من بين أبرز الداعمين العسكريين لأوكرانيا، ليس فقط من حيث نسبة المساعدات مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، بل أيضًا من حيث حجم الدعم الفعلي، وهو ما عزز الحضور السياسي لدول الشمال والبلطيق داخل ترتيبات الأمن الأوروبي الجديدة. وفي هذا السياق، يرى عدد من المحللين الأوروبيين أن “الدول الشمالية والبلطيقية أصبحت، رغم صغر حجمها، في طليعة الجهد الأوروبي لدعم أوكرانيا عسكريًا”، وهو ما منحها وزنًا متزايدًا في رسم السياسات الدفاعية الأوروبية.
كما اكتسبت التكتلات العسكرية الإقليمية أهمية متصاعدة في إطار بناء بنية دفاعية أوروبية أكثر مرونة وسرعة في الاستجابة. ويبرز في هذا السياق دور قوة التدخل المشتركة بقيادة بريطانيا (Joint Expeditionary Force – JEF)، التي تضم دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق إلى جانب هولندا، بوصفها نموذجًا لتعاون عسكري بين دول متقاربة استراتيجيًا وقادرة على التنسيق السريع خارج الأطر التقليدية الثقيلة. وترى تقديرات أمنية أن هذه القوة تمثل “تحالفًا مرنًا من الدول المتقاربة استراتيجيًا والقادرة على التنسيق العسكري السريع إقليميًا”، كما أن طبيعتها المرنة تمنحها قدرة أكبر على مواجهة التهديدات الهجينة والتصعيد العسكري السريع.
وفي هذا الإطار، بدأت دول شمال أوروبا بإعادة النظر في عقيدتها الدفاعية التقليدية، التي كانت تقوم على الصمود المؤقت بانتظار وصول التعزيزات الأميركية. إلا أن تصاعد المخاوف من تراجع الانخراط الأميركي في أوروبا، خاصة في مناطق القطب الشمالي وشمال الأطلسي، دفع هذه الدول إلى التركيز بصورة أكبر على تعزيز قدراتها الذاتية والتكامل الإقليمي باعتباره خيارًا استراتيجيًا طويل المدى في مواجهة روسيا. ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل الدفاعي الأوروبي تدريجيًا نحو شمال وشرق أوروبا، في ظل الحرب الأوكرانية وتزايد الشكوك بشأن استمرارية الضمانات الأمنية الأميركية لأوروبا على المدى الطويل.
أزمة غرينلاند وتحول العقلية الأمنية الأوروبية
شكّلت التوترات المرتبطة بغرينلاند أحد أبرز المؤشرات على التحولات العميقة التي تشهدها العقيدة الأمنية في شمال أوروبا، إذ دفعت هذه الأزمة الدنمارك إلى إظهار استعداد غير مسبوق للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية حتى في مواجهة ضغوط أميركية محتملة. وقد اعتُبر هذا الموقف تطورًا لافتًا داخل البيئة الأمنية الأوروبية، خاصة أن دول الشمال الأوروبي لطالما اعتبرت الولايات المتحدة الضامن الرئيسي لأمنها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتزداد حساسية غرينلاند والقطب الشمالي في الحسابات الجيوسياسية الجديدة بسبب الأهمية الاستراتيجية المتصاعدة للممرات البحرية في شمال الأطلسي والمنطقة القطبية. وفي هذا السياق، يشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن القطب الشمالي وشمال الأطلسي يحظيان بأولوية استراتيجية عالية بالنسبة لروسيا، وهو ما يفسر تنامي التركيز العسكري الروسي على المنطقة خلال السنوات الأخيرة. كما برزت مجددًا أهمية ما يُعرف بـ “فجوة غرينلاند–آيسلندا–بريطانيا” (GIUK)، التي شكّلت لعقود محورًا رئيسيًا في الاستراتيجية الغربية لمراقبة التحركات البحرية والغواصات الروسية ومنعها من الوصول إلى المحيط الأطلسي.
لكن التحولات الأخيرة أظهرت أن الأولويات الدفاعية في شمال أوروبا بدأت تتغير بصورة واضحة. فبدل التركيز التقليدي على ضمان وصول التعزيزات الأميركية إلى أوروبا، باتت دول المنطقة أكثر اهتمامًا ببناء قدرة دفاعية إقليمية قادرة على حماية شبه الجزيرة الإسكندنافية وفنلندا بصورة أكثر استقلالية. وفي هذا الإطار، عززت دول الشمال استثماراتها في القدرات الردعية، خاصة الطائرات المقاتلة الحديثة والصواريخ بعيدة المدى، في محاولة لرفع مستوى الردع الإقليمي في مواجهة أي تصعيد روسي محتمل.
وفي الوقت نفسه، كشفت أزمة غرينلاند عن معضلة أكثر تعقيدًا داخل التفكير الأمني الأوروبي، تتمثل في احتمال تضارب المصالح بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها في القضايا المرتبطة بالمجال القطبي وشمال الأطلسي. وقد حذّرت تقديرات أمنية أوروبية من أن دول حلف الناتو لم تُبنِ قدراتها العسكرية يومًا على أساس احتمال مواجهة الولايات المتحدة، وهو ما يعكس حجم الاعتماد التاريخي الأوروبي على المظلة الأميركية وصعوبة التكيف مع مرحلة أكثر استقلالية. وتعكس هذه التحولات إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن القارة قد تدخل مرحلة جديدة يكون فيها “الدفاع الذاتي الأوروبي” ضرورة استراتيجية لا مجرد خيار سياسي
نحو مفهوم أوروبي جديد للأمن
ولم يعد هذا الإدراك يقتصر على دول الشمال الأوروبي وحدها، بل بات يعكس اتجاهًا أوسع داخل القارة نحو إعادة تعريف مفهوم الأمن الأوروبي في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد الاضطرابات الجيوسياسية وتراجع اليقين الاستراتيجي. فالحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد المخاوف بشأن استمرارية الالتزام الأميركي طويل الأمد بأمن أوروبا، والتحديات الأمنية المتزايدة في القطب الشمالي وشمال الأطلسي، دفعت العواصم الأوروبية إلى مراجعة كثير من الافتراضات التي حكمت سياساتها الدفاعية منذ نهاية الحرب الباردة.
وفي هذا السياق، يرى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) أن أوروبا دخلت مرحلة تتطلب «تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية بصورة أكثر استقلالية»، في ظل تراجع القدرة على افتراض استمرار الانخراط الأميركي بالمستوى ذاته الذي ساد خلال العقود الماضية. كما يشير عدد من الباحثين في مركز السياسات الأوروبية (CEPS) إلى أن الحرب في أوكرانيا كشفت أن الاعتماد الأوروبي على الولايات المتحدة لا يمكن أن يشكل أساسًا دائمًا للأمن القاري، بل يجب أن يُستكمل بقدرات أوروبية ذاتية أكثر فاعلية.
ورغم استمرار أهمية حلف شمال الأطلسي بوصفه الإطار الأمني الرئيسي للقارة، فإن دوره لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره ضمانة أميركية لأمن أوروبا، بل أيضًا كمنصة للتعاون العسكري بين الدول الأوروبية نفسها. وفي هذا الصدد، يرى باحثون في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) أن الجهود الجارية لبناء «ركيزة أوروبية» داخل الحلف وإعادة توزيع الأعباء الدفاعية تمثل استعدادًا لمرحلة قد تضطر فيها أوروبا إلى تحمل دور أكبر في حماية أمنها الجماعي. كما يشير المجلس الأطلسي (Atlantic Council) إلى أن نجاح هذا التحول يعتمد على قدرة الدول الأوروبية على تنسيق المبادرات الدفاعية الإقليمية المختلفة وتحويلها إلى منظومة ردع متكاملة على مستوى القارة.
ومن هذا المنطلق، تتجه أوروبا نحو تبني نموذج دفاعي يقوم على الواقعية السياسية أكثر من السعي إلى الكمال العسكري. فبدلاً من انتظار اكتمال القدرات الدفاعية المثالية، يبدو أن العديد من الحكومات الأوروبية باتت تؤمن بأن «الجاهزية الكافية» قد تكون الخيار الأكثر واقعية في عالم سريع التغير. وكما خلص تقرير صادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فإن التحدي الذي يواجه أوروبا اليوم لا يتمثل في تحديد ما إذا كانت بحاجة إلى قدر أكبر من الاستقلال الدفاعي، بل في مدى قدرتها على بناء هذه القدرات بالسرعة المطلوبة لمواكبة التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
ولذلك، لم يعد السؤال المطروح داخل أوروبا هو ما إذا كان ينبغي بناء قدر أكبر من الاستقلال الدفاعي عن الولايات المتحدة، بل مدى سرعة تحقيق ذلك قبل أن تفرض التحولات الجيوسياسية واقعًا أكثر تعقيدًا وخطورة على القارة الأوروبية.
قراءة مستقبلية
من غير المرجح أن تتمكن أوروبا من تحقيق استقلال دفاعي كامل عن الولايات المتحدة خلال المستقبل القريب، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى تزايد الاعتماد على القدرات الأوروبية الذاتية. فالحرب في أوكرانيا والتغيرات في البيئة الأمنية الدولية دفعت الدول الأوروبية إلى تسريع جهود إعادة التسلح وتعزيز جاهزيتها العسكرية بصورة لم تشهدها القارة منذ عقود. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يزداد دور التكتلات الإقليمية، خاصة في شمال وشرق أوروبا، في دعم الأمن الجماعي للقارة. فالتجارب الأخيرة أظهرت أن التكامل العسكري والتنسيق العملياتي يمكن أن يشكلا بديلًا عمليًا عن السعي إلى بناء جيوش ضخمة، وهو ما قد يدفع دولًا أوروبية أخرى إلى تبني نماذج مشابهة خلال السنوات المقبلة.
كما يُرجح أن يشهد حلف شمال الأطلسي تحولًا تدريجيًا في توزيع الأدوار والمسؤوليات بين ضفتي الأطلسي. فبينما سيبقى الحلف الإطار الأمني الأهم لأوروبا، فإن الدول الأوروبية ستتحمل على الأرجح نصيبًا أكبر من أعباء الردع والدفاع، في إطار ما بات يُعرف بالركيزة الأوروبية داخل الناتو. ومع ذلك، ستظل التحديات المرتبطة بالقوى البشرية والقدرات الصناعية الدفاعية والتمويل العسكري عوامل حاسمة في تحديد سرعة هذا التحول. فبناء قوة دفاعية أوروبية أكثر استقلالية يتطلب استثمارات طويلة الأمد وإرادة سياسية مستمرة، وليس مجرد زيادة مؤقتة في الإنفاق العسكري.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن أوروبا دخلت مرحلة جديدة من تاريخها الأمني، لم يعد فيها السؤال متعلقًا بإمكانية الدفاع عن نفسها، بل بقدرتها على تحويل الإمكانات المتاحة إلى قوة ردع فعالة قبل أن تفرض التحولات الجيوسياسية تحديات أكبر على أمن القارة واستقرارها.