المركز السويدي لدراسات الأمن الدولي والإرهاب – SCISTS
تشهد أوروبا في المرحلة الراهنة تحولات استراتيجية عميقة تعيد صياغة توازناتها التقليدية، وتفرض مراجعة جذرية لطبيعة العلاقة عبر الأطلسي، لا سيما في ظل تراجع الاهتمام الأمريكي بالقارة الأوروبية لصالح أولويات جيوسياسية أخرى. وفي قلب هذه التحولات تقف ألمانيا، بوصفها القوة الاقتصادية والسياسية الأبرز داخل الاتحاد الأوروبي، أمام لحظة تاريخية فارقة قد تعيد تعريف دورها ومكانتها في النظام الدولي. وبين إرث الماضي وضغوط الحاضر، يتصاعد النقاش حول مدى استعداد برلين للانتقال من موقع الاعتماد إلى موقع القيادة والاستقلال الاستراتيجي.
نافذة تاريخية لإعادة تعريف الدور الألماني
إن تراجع الانخراط الأمريكي في أوروبا لا يمثل مجرد تحدٍّ، بل يفتح في الوقت ذاته نافذة تاريخية، خاصة أمام ألمانيا، لإعادة التفكير في توجهها الاستراتيجي طويل المدى. فالدولة التي ظلت لعقود تتحرك ضمن أطر تحالفية تقليدية، تجد نفسها اليوم أمام فرصة لإعادة التموضع كفاعل دولي مستقل يمتلك القدرة على التأثير وصياغة التوازنات.
ويُشَبَّه هذا التحول، وفق رؤية هولغر شتارك، محرر صحيفة دي تسايت، بما يشبه “هدم جدار برلين ثانٍ”، في إشارة رمزية إلى التحرر من القيود النفسية والسياسية التي كبّلت الدور الألماني منذ نهاية الحرب الباردة. فشتارك يرى أن ألمانيا تقف اليوم على أعتاب “النضج السياسي”، بعد عقود من الحذر المفرط الذي غذّته عقدة الذنب التاريخية المرتبطة بإرث الحرب العالمية الثانية. هذا الإرث جعل من فكرة “ألمانيا القوية” مسألة إشكالية داخليًا وخارجيًا، وأدى إلى كبح أي طموح استراتيجي واضح.
غير أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة بدأت تضعف هذه القيود. ويعكس تصريح وزير الخارجية البولندي رادوسواف سيكورسكي—الذي أعرب عن خوفه من “ألمانيا التي لا تقود” أكثر من “ألمانيا التي تقود”—تحولًا لافتًا في المزاج الأوروبي، حتى لدى الدول التي عانت تاريخيًا من الهيمنة الألمانية. وهنا تظهر ألمانيا وكأنها تتحرك تدريجيًا من التردد إلى البحث عن دور قيادي أكثر وضوحًا، رغم استمرار بعض الحساسيات، خاصة في علاقتها مع الولايات المتحدة.
إرث الاعتماد وحدود الاستقلال
تعود جذور الاعتماد الألماني على الولايات المتحدة إلى مرحلة ما بعد إعادة التوحيد (1989–1990)، حين انسحبت القوات الأوروبية والسوفيتية، بينما استمر الوجود العسكري الأمريكي. وقد خلق هذا الواقع علاقة غير متكافئة يمكن تشبيهها بعلاقة “الوالدين بالمراهق”، حيث لم تنتقل ألمانيا بالكامل إلى مرحلة الاستقلال السياسي والاستراتيجي، بل ظلت في حالة اعتماد جزئي، أشبه بدولة لم تبلغ بعد “سن الرشد” الكامل في السياسة الدولية.
وقد انعكس هذا الوضع بوضوح على السياسات الدفاعية والاستخباراتية، حيث شهدت القدرات العسكرية الألمانية تراجعًا ملحوظًا منذ التسعينيات، كما بقيت برلين تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة وحلف الناتو في مجالات حيوية مثل الاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية. وهو ما يكشف عن فجوة واضحة بين القوة الاقتصادية الألمانية ومستوى استقلالها الاستراتيجي.
كما أن النخبة السياسية الألمانية، بحسب مقابلات أجراها شتارك مع شخصيات بارزة مثل أورسولا فون دير لاين وأولاف شولتس، لم تكن تتصور بسهولة سيناريو عالمًا بدون الولايات المتحدة كضامن أمني رئيسي. وهذا يعكس عمق الارتباط البنيوي بين الطرفين، ويبرز حجم التحدي الذي تواجهه ألمانيا اليوم في إعادة تعريف دورها.
علاقة معقّدة: بين الشراكة والتبعية
تكشف تجربة ألمانيا خلال حرب العراق 2003 عن طبيعة العلاقة المركبة مع الولايات المتحدة. فعلى الرغم من المعارضة السياسية العلنية للغزو، سمحت برلين عمليًا باستخدام قاعدة رامشتاين لدعم العمليات الأمريكية. وقد وصف وزير الخارجية الأسبق يوشكا فيشر هذا التوازن الدقيق بأن ألمانيا كانت “تسير على حبل مشدود فوق هاوية”، في محاولة للجمع بين الحفاظ على التحالف والتمسك بموقف سياسي مستقل.
ومع وصول دونالد ترامب إلى السلطة، بدأت هذه التناقضات تطفو إلى السطح بشكل أكثر وضوحًا. فقد عبّر مسؤولون أمريكيون عن رؤية براغماتية صارمة للعلاقات الدولية، تقوم على المصالح المتغيرة لا التحالفات الثابتة، ما شكل صدمة للنخبة الألمانية التي اعتادت على شراكة استراتيجية مستقرة. وقد تجسد هذا التحول في إدراك المستشارة أنجيلا ميركل أن الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة لم يعد ممكنًا كما في السابق، وأن على ألمانيا وأوروبا تحمل مسؤولية أكبر في إدارة شؤونها الأمنية والاستراتيجية.
تحول في التفكير الاستراتيجي
لم يعد التحول في الموقف الأمريكي مجرد حالة عابرة، بل أصبح اتجاهًا هيكليًا مرتبطًا بإعادة تموضع واشنطن نحو آسيا والصين. وفي هذا السياق، يشير هولغر شتارك إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تحترم إلا الفاعلين الذين يمتلكون أدوات القوة والتأثير، وهو ما يفرض على ألمانيا إعادة بناء موقعها على هذا الأساس.
ورغم الحساسية التاريخية تجاه انتقاد الولايات المتحدة داخل ألمانيا، إلا أن هناك تحولًا ملحوظًا في المزاج العام، يعكس بداية تشكّل وعي جديد بضرورة الاستقلال. ويظهر هذا التحول أيضًا في تزايد النقاشات داخل الأوساط السياسية والفكرية حول مفهوم “السيادة الأوروبية” وأهمية تقليص الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية. كما أن الحرب في أوكرانيا كشفت حدود هذا الاعتماد، ودَفعت برلين إلى مراجعة أدواتها الاستراتيجية بشكل أكثر جدية. وفي ظل هذه المتغيرات، لم يعد السؤال متعلقًا بإمكانية التغيير، بل بكيفية تسريعه وتوجيهه بما ينسجم مع المصالح الألمانية والأوروبية.
ميرتس والواقعية الجديدة
داخل الساحة السياسية الألمانية، تتباين المواقف تجاه العلاقة مع الولايات المتحدة. فبينما يتمسك تيار تقليدي بالحفاظ على التحالف الوثيق، تدعو أصوات أخرى إلى إعادة تعريف العلاقة على أساس التوازن بين الشراكة والمنافسة. وفي هذا السياق، يبرز فريدريش ميرتس كممثل لتيار براغماتي يسعى إلى تحقيق توازن دقيق: الحفاظ على التعاون مع واشنطن، مع الاستعداد في الوقت نفسه لسيناريوهات أقل استقرارًا. وقد تأثر ميرتس بعدد من الأحداث، منها خطاب جي دي فانس، والطريقة التي عومل بها فولوديمير زيلينسكي في واشنطن، ما عزز لديه القناعة بضرورة إعادة تقييم العلاقة. ومع ذلك، لا يزال ميرتس حريصًا على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الولايات المتحدة، وتجنب أي قطيعة قد تكون مكلفة استراتيجيًا.
إعادة تعريف الدور الألماني في عالم بلا أمريكا
في ظل تراجع اليقين بشأن الدور الأمريكي، يطرح هولغر شتارك فكرة “التجربة الذهنية” التي تقوم على تخيّل عالم لا توجد فيه الولايات المتحدة أصلًا. هذا التصور يدفع إلى إعادة التفكير في كيفية تعامل ألمانيا وأوروبا مع قضايا كبرى مثل الحرب في أوكرانيا، وكذلك مستقبل حلف شمال الأطلسي في غياب الدور الأمريكي المركزي. ومن خلال هذه المقاربة، يمكن الوصول إلى استنتاج مفاده أن على ألمانيا أن تتحمل دورًا أكثر فاعلية في قيادة السياسة الخارجية الأوروبية.
في هذا السياق، يصف شتارك ألمانيا بأنها “قائد خادم”، أي دولة تقود بفضل قوتها الاقتصادية والديموغرافية، لكنها في الوقت ذاته تعمل لخدمة المصالح الجماعية للاتحاد الأوروبي. ويعكس هذا المفهوم تحولًا في فهم الدور الألماني، من الحذر التقليدي إلى الانخراط الأكثر نشاطًا، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتزايدة في أوروبا.
وقد بدأت ملامح هذا التحول تظهر بالفعل من خلال خطوات عملية، أبرزها تعديل الدستور للسماح بزيادة الإنفاق العسكري عبر صندوق خاص، في محاولة للاقتراب من أهداف الناتو. كما يشمل ذلك تعزيز القدرات الاستخباراتية، مثل تطوير برامج الأقمار الصناعية، إلى جانب الدفع نحو تعاون أوروبي أوسع في مجالات الأمن والدفاع، كما يُطرح تعزيز التعاون الأوروبي في مجالات الردع، بما في ذلك الاستفادة من القدرات النووية الفرنسية، كجزء من منظومة أمنية أوروبية أكثر استقلالًا.
لم تعد هذه التحولات مجرد نقاشات نظرية، بل أصبحت ضرورة استراتيجية في ظل تراجع الثقة في استمرارية الالتزام الأمريكي. وفي المقابل، أسهمت سياسات دونالد ترامب تجاه بعض الحلفاء في إعادة تشكيل ملامح النظام الدولي، ما دفع دولًا مثل كندا واليابان وكوريا الجنوبية والهند إلى تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، ضمن توازنات عالمية جديدة تتجه نحو قدر أكبر من التعددية والاستقلالية.
ثمن الاستقلال
في النهاية، يطرح شتارك معادلة واضحة: الاستقلال له كلفة، لكنه أقل كلفة من الاستمرار في التبعية. فالعالم يتغير بسرعة، والحياد أو التردد لم يعد خيارًا ممكنًا. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس ما إذا كانت ألمانيا قادرة على قيادة أوروبا، بل ما إذا كانت مستعدة لتحمل ثمن هذه القيادة.
في النهاية، يطرح هولغر شتارك معادلة واضحة: الاستقلال له كلفة، لكنه أقل كلفة من الاستمرار في التبعية. فالعالم يتغير بسرعة، والحياد أو التردد لم يعد خيارًا ممكنًا. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس ما إذا كانت ألمانيا قادرة على قيادة أوروبا، بل ما إذا كانت مستعدة لتحمل ثمن هذه القيادة. ويشمل هذا الثمن إعادة هيكلة الأولويات الوطنية، وزيادة الإنفاق الدفاعي على حساب مجالات أخرى، إلى جانب تحمل مسؤوليات سياسية أكبر داخل أوروبا وخارجها. كما يتطلب ذلك استعدادًا لمواجهة ضغوط داخلية وخارجية، خاصة في ظل تباين المواقف داخل الاتحاد الأوروبي نفسه. ومع ذلك، فإن تجنب هذه الكلفة قد يضع ألمانيا في موقع المتلقي للأزمات بدلًا من صانعٍ لمساراتها.
قراءة مستقبلية
في ضوء هذه التحولات المتسارعة، من المرجح أن تتجه ألمانيا خلال السنوات القادمة نحو ترسيخ نموذج “الاستقلال الاستراتيجي التدريجي”، حيث ستعمل على تقليص فجوة الاعتماد الأمني والعسكري، دون التخلي الكامل عن شراكتها مع الولايات المتحدة. وسيظهر هذا التوجه من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي، وتطوير القدرات الاستخباراتية، وتعزيز التعاون داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة في مجالات الردع والأمن الجماعي. وفي ظل استمرار التوترات في أوكرانيا، ستجد برلين نفسها مضطرة للعب دور أكثر فاعلية، ليس فقط كقوة اقتصادية، بل كفاعل أمني يسهم في صياغة التوازنات الإقليمية.
أما على المدى الأبعد، فإن مستقبل ألمانيا سيتوقف على قدرتها على تجاوز إرث التردد التاريخي وبناء توافق أوروبي حول رؤية استراتيجية مشتركة. فإذا نجحت في ذلك، فقد تتحول إلى قوة قيادية ضمن نظام دولي أكثر تعددية، تقود من خلال الشراكة لا الهيمنة، وتؤسس لنموذج أوروبي أكثر استقلالًا في مواجهة التحولات العالمية. ومع ذلك، سيظل هذا المسار مشروطًا بمدى استعدادها لتحمل الكلفة السياسية والاقتصادية لهذا التحول، وبقدرة أوروبا ككل على الانتقال من الاعتماد إلى الفعل الاستراتيجي المستقل.